تربيتنا والتراث

التزكية ومقاصدها عند الإمام الغزالي من خلال كتابه إحياء علوم الدين

الدكتور حفيظ غياط hafid

    إن هذا هو موضوع أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، تقدم بها الباحث حفيظ غياط والذي يندرج في باب تربيتنا والتراث، وفيما يلي ملخص البحث الذي تقدم به أمام لجنة المناقشة:

    مما لاشك فيه أن حاجتنا اليوم  إلى مناقشة موضوع التزكية  أكثر من أي وقت مضى لأسباب كثيرة لا تخفى على المسلم الذي يتابع عن كثب الأحوال الإيمانية  للأمة  المسلمة، وما آلت إليه أوضاعها التربوية من التردي الأخلاقي والقيمي الذي جعلها  بعيدة عن مضامين رسالات الأنبياء،  ففقدت عافيتها، و مرضت  عند غفلتها  عن معادها بمعاشها، وافتتانها بالحياة المادية الفانية عن الحياة الباقية.

    ومن المعلوم أن التزكية هي أهم مقاصد البعثة، فهي المقصودة بالتبليغ وتعليم الكتاب، وعليها علق الله الفلاح فقال سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)[الشمس: 9 – 10]. ومن المعلوم أيضا أن كتاب الله منذ أن نزل على نبيه صلى الله عليه وسلم وهو محفوظ موجود بين أيدي المسلمين، ولكن التزكي به قد يتخلف، ولهذا كان المصلحون في هذه الأمة يردون أسباب ضعفها وفساد أحوالها وتقهقرها الحضاري إلى تعطيل وظيفة القرآن التربوية.

    وأشرف ما في العلم بالتزكية العلم بمقاصدها، فإذا كانت التزكية لبابا، فالكلام عن مقاصدها هو لب اللباب، وزبدة معارفها، إذ بدونها تبقى الوسائل إلى التزكية عاطلة، وسلوك السالكين في تيه وعمى، ولا يستحق شيخ ولا معلم اسم المربي، وإنما يتفاضل فقهاؤها بقدر إحاطتهم وغوصهم على تلك المقاصد. ومثل هذا النمط نادر الوجود.

     وقد عُد الإمام أبو حامد الغزالي من هذا النمط النادر، ولطالما اشتكى هو نفسه كثرة مرضى القلوب وفقد الأطباء[1]. ولهذا جاهد جهاده لسد هذه الثغرة، عسى أن يجدد أمر الدين، ويبعث الروح في علومه، ويسهم في تخريج المربين، والتمكين لطب القلوب.

    ولا غرو فقد تبوأ الغزالي مقام الإمامة في مجال التزكية علما وعملا، بل كان فاتحة عهد جديد في تاريخ الأمة المسلمة، فطبع عصورها التوالي بميسمه، وبقي تراثه التربوي حاضرا بقوة في حياة المسلمين إلى اليوم، وأكبر شاهد على ذلك كتابه الكبير ” إحياء علوم الدين “، الذي يعتبر تاج معارفه، وقمة إنتاجه التربوي.

     ومما زادني قناعة بأهمية اتخاذ هذا الكتاب مجالا للدراسة:

أ – المكانة الكبيرة التي لكتاب الإحياء بين المسلمين خاصتهم وعامتهم، فهو من أهم مراجع التربية عندهم، فكان التنبيه على مقاصده وفلسفته التي يقوم عليها أمرا ضروريا في هذا السياق.

ب – أن هذا الكتاب من الكتب التي كنت أعتمد عليها شخصيا في مرحلة من حياتي في إنجاز دروس تربوية، وكانت تستوقفني عبارات ومصطلحات لا أفهم مقصود الغزالي منها، مثل كلامه عن الكشف، وإمساكه عن الخوض في بيان حقيقته، وكذلك في وسائل التزكية والرياضة ، كان يستوقفني ما يسوقه من الحكايات والغرائب في هذا الباب، والتي تجعل القارئ يطرح سؤالا محيرا: هل هذه الوسائل والطرق جاء بها كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وهل مارس النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام مثل هذه الرياضات؟ فبقيت مثل هذه التساؤلات كامنة في أعماقي إلى أن يسر الله هذه المناسبة التي وقفت فيها على إجابات عن كثير من تساؤلاتي السابقة.

ج – أن الغفلة عن تنبيه المسلمين إلى الفرق بين مفهوم التزكية ومقصودها في المنهج القرآني، وغايتها ومقصودها في المنهج الصوفي – كما عرضناه عند الغزالي في الإحياء – يوقع الكثير من المسلمين في أخطاء اعتقادية وسلوكية عن غير قصد، ظنا منهم أنها حقيقة الدين وجوهره، ولأن قائلها عَلَمٌ كبير هو حجة الإسلام الغزالي.

    من هنا جاء عنوان هذا البحث: ” التزكية ومقاصدها عند الإمام الغزالي من خلال كتابه (إحياء علوم الدين) ” للتركيب بين تلك العناصر التي أشرنا إلى أهميتها، لعلها تنتج خلاصات ينتفع بها المهتمون بالشأن التربوي، وتكون مساهمة في تأصيل قضاياه، وتخليصه من الدخيل، وإثارة لأسئلة يطرحها ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها.

  • original إشكالية البحــــث:

    والإشكال الجوهري الذي انطلقت منه في معالجة هذا الموضوع هو: إلى أي مدى تصلح تجربة الغزالي في إحياء علوم الدين وتجديد الأنفاس الإيمانية للأمة أنموذجا يحتذى لبعث إسلامي جديد، يُخرج أمتنا من أزمتها التربوية الراهنة، دون التخلي عن هويتها وأصولها العظمى، ودون التغافل والتهوين من شأن التحديات المعاصرة التي تهددها في تراثها النبوي؟

    وهذا يقتضي منا أن نتساءل:

هل مثلت تجربة الغزالي فعلا إحياء لعلوم الدين التي أكد على اندراسها ؟

وهل سلمت محاولاته الإصلاحية من أثر الهجمة الشرسة للثقافات الأجنبية التي بدأت في اكتساح الأمة منذ القرن الثالث الهجري واستحكمت في الرابع؟

وماذا كان أثر تجربته على المستوى التربوي للأمة؟

  •  وصف لأهم مضامين أبواب البحث:

وقد تضمنت هذه الدراسة مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة على النحو التالي:

    أما المقدمة فقد أشرت فيها إلى أهمية موضوع البحث، وإشكاليته الكبرى التي انطلقنا منها، و المنهج المتبع في دراسته، والخطة التي اعتمدتها في إنجازه.

    ثم خصصت الباب الأول للحديث عن حياة الإمام الغزالي وسيرته العلمية والسلوكية، مبرزا السياقات العامة التي أحاطت بهذا الإمام، نظرا لما للمناخ العام: ( سياسيا واجتماعيا وفكريا ) من تأثير كبير على إنتاجات العلماء، وتوجهاتهم الفكرية. فتحدثت عن عصر الغزالي ومآزقه الفكرية، من خلال الوقوف عند ظروف العصر السياسية المضطربة وكيف كان لها الأثر الكبير على الجانب الفكري والثقافي لهذا العصر، ثم انتقلت للحديث عن أهم  أطوار حياة هذا الإمام ومميزات شخصيته من خلال بيان نشأته العلمية الأولى وطبيعة شخصيته المتميزة بالإصرار في الطلب والغوص وراء المعاني الدقيقة، كما خصصت مجالا للحديث عن رحلته من الشك إلى اليقين وكيف أنه مر بأزمة نفسية عصيبة (يسميها الدارسون بالأزمة الشكية)، استعرض خلالها مناهج تحصيل اليقين لدى الفرق الموجودة في عصره ، حيث انتهت به هذه الإطافة بين مناهج هذه الفرق إلى شاطئ التصوف ملاذا  أخيرا رست عنده سفينته.

    أما الفصل الثاني من هذا الباب فقد خصصته للحديث عن آثار الغزالي وبيان مواقف العلماء منه، فذكرت أهم مؤلفاته مرتبا إياها ترتيبا زمنيا، ثم انتقلت بعد ذلك لبيان طبيعة الخطاب عند الغزالي الذي يتميز بالتفاوت بحسب المخاطبين، مع إشارات إلى طريقته في الـتأليف.

    وقد ختمت هذا الباب بمبحث ذكرت فيه  آراء العلماء ومواقفهم في تقويم الغزالي وكتابه الإحياء  ليدرك القارئ أن الإمام الغزالي من الشخصيات المثيرة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، اعتركت حول أفكاره واجتهاداته الأقلام قديما وحديثا بين مادح وقادح ومتوسط .

    أما الباب الثاني فقد خصصته لمعالجة “مفهوم التزكية ومحلها عند الغزالي”  مقسما إياه إلى ثلاثة فصول:  أما الفصل الأول فقد بينت فيه المقصود بمحل التزكية وحقيقته عند الغزالي، من خلال مباحث ثلاثة، تحدثنا في الأول باختصار عن منهج دراسة النفس عند الغزالي،  ووقفنا في المبحث الثاني لبيان حقيقة النفس الإنسانية ومدلولاتها ومعانيها (لفظ القلب / الروح / النفس / العقل ).

    مع مناقشة لأهم مسائل النفس من حيث: قدمها  أو حدوثها، وماديتها  أو روحانيتها،، ووحدتها أو انقسامها، وبقاؤها أو فناؤها. أما المبحث الثالث فقد  عرضت فيه لمصادر الغزالي في دراسة النفس  مقسما إياها إلى قسمين: مصادر إسلامية وأخرى غير إسلامية.

    أما الفصل الثاني من هذا الباب فقد انتقلت فيه إلى تحقيق مفهوم التزكية عند الغزالي،  فمهدت في المبحث الأول بذكر مفهوم التزكية وأهميتها، وأهم المعاني التي وردت لكلمة التزكية في القرآن الكريم، وكونها أعظم مقاصد البعثة النبوية، منبها في المبحث الثاني إلى أهم المصطلحات المستعملة عند الغزالي بنفس معنى التزكية كمصطلح ( السلوك والرياضة والمجاهدة والسفر)، مشيرا إلى مركزية مفهوم القلب في السلوك، وإلى حقيقة  مفهوم التخلية والتحلية اللذين هما قوام التزكية، وإلى مراتب الناس فيها.

    ثم ختمت هذا الباب بفصل ثالث خصصته للخلاصات النقدية التي أعدنا فيها امتحان أهم مفاهيم الرؤية الكونية ومفاهيم السلوك عند الغزالي.

    أما الباب الثالث “مقاصد التزكية عند الغزالي في الإحياء” فيطغى عليه العرض التطبيقي، وقد بدأته بفصل تمهيدي وصفت فيه طريق التزكية والسلوك في الإحياء وصفا مقاصديا حاولت فيه إبراز العلاقة بين أرباعه، فعرفت بكتاب الإحياء أولا، ثم بينت موقعه من المشروع التربوي العام للغزالي، ثم انتقلت إلى علم المعاملة عند الغزالي فبينت أقسامه و مقاصده (المقصود الأعظم للكتاب ثم مقاصد الشطر الظاهر المتضمن لربعي العبادات والعادات، ثم مقاصد الشطر الباطن المتضمن لربعي المهلكات والمنجيات ).

     ثم عقدت بعد ذلك أربعة فصول عالجت فيها مقاصد التزكية عند الغزالي في كل ربع من أرباع الإحياء، مقتصرا في كل فصل منها على نماذج من قضايا كل ربع كالآتي:

    ففي الفصل الأول: “مقاصد العبادات وأثرها في التزكية” عرضت فيه لمقاصد أهم العبادات الشرعية ( الصلاة والزكاة والصوم والحج) وأثرها في التزكية.

    فعلى سبيل المثال في مبحث بعنوان: ” مقاصد الصلاة وأثرها في التزكية ” قسمته إلى مطالب  وضعت لها عناوين تشير إلى مقاصد الغزالي من خلال هذه العبادة الشرعية وأثرها في تزكية النفس، وكيف يركز فيها الغزالي على المعاني والأسرار الباطنة التي تنطوي عليها أقوال هذه العبادة وأفعالها.

    وعلى نفس المنوال عالجنا باقي العبادات الأخرى للـتأكيد على هذا المنهج عند الغزالي.

    أما الفصل الثاني: “مجاري الورع في العادات وأثرها في التزكية” فقد اقتصرت فيه على موضوعين من مواضيع الربع الثاني لهما صلة وثيقة جدا بالتزكية الصوفية هما: العزلة الصوفية والسماع الصوفي ودورهما في تزكية النفس وطهارة القلب.

    فبينت أهمية موضوع العزلة عند الغزالي ومنهجه في معالجة هذا الموضوع والأثر الذي تحدثه العزلة في تزكية النفس وإعداد القلب لحصول أنوار المعارف الكشفية فيه، ثم خصصت حيزا لتقويم ومناقشة مسلك الغزالي في العزلة الصوفية.

    وبنفس المنهج عالجت المبحث الثاني من هذا الفصل بعنوان ” مقاصد السماع الصوفي وأثره في تزكية النفس ” حيث خصصت مجالا لعرض أهم مسائل السماع الصوفي عند الغزالي، ثم ناقشت هذا المسلك بعد ذلك من خلال الرد على الأدلة التي استند عليها الغزالي وغيره من الصوفية في هذا الباب.  

    أما الفصل الثالث من هذا الباب فقد خصص للحديث عن أمراض القلوب المهلكة وعلاجها، فاخترت الحديث عن “حب الدنيا” و” الغضب والحقد والحسد ” باعتبارها من المهلكات المانعة من السلوك الصوفي. وقد كان منهجي في ذلك أن أعرض لموقف الغزالي أولا في القضية المطروحة، ثم أنتقل بعد ذلك إلى مناقشة نقدية لموقفه حول جملة من المسائل التي عرضها في الموضوع.

    وبنفس المنهج عرضت في الفصل الرابع لنموذجين من الفضائل الأخلاقية والمقامات المنجية، فاخترت “مقام الزهد” و”مقام التوكل” باعتبارهما من أهم المقامات عند عموم الصوفية.

    أما الباب الرابع والأخير فقد عنونته ب “مقاصد التـزكية فيما وراء الإحياء” والمقصود بذلك الحديث عن الغاية النهائية التي ينتهي إليها مشوار التزكية والسلوك وهو ما سماه الغزالي”علم المكاشفة”.

    وقد تناولت في هذا الباب الكلام عن الكشف الصوفي: مفهومه، أهميته ومصادر تلقيه. ثم عرضت لأدلة الغزالي على صحته ويقينيته مع المناقشة لهذه الأدلة.

    وقد تنوعت أدلة الغزالي التي استدل بها على يقينية المعرفة الحاصلة من طريق الكشف حيث استدل بالقرآن والأخبار والآثار،  كما استدل بالقياس وتجارب الشيوخ وأولياء الصوفية كل ذلك للتأكيد على يقينية المعرفة الكشفية . وقد ناقشنا هذه الأدلة بعد عرضها، ثم اخترنا كثيرا من أقوال كبار العلماء المحققين  للرد على هذه العقيدة وبيان بطلانها.

    ثم انتقلت في فصل آخر لبيان صلة الكشف عند الغزالي بعقيدة وحدة الوجود والحلول والاتحاد، فخصصت مبحثا لبيان المفاهيم والمصطلحات وصلة الوصل بينها. ثم انتقلت لبيان صلة كلام الغزالي – في الإحياء وغيره من مؤلفاته الأخرى – وحقيقة موقفه من هذه العقائد البعيدة عن روح الإسلام ومقاصده، جالبا من الأدلة – من كلام الغزالي وأقوال العلماء والباحثين – ما أعتقدت كفايته في بيان المقصود.

     ثم ختمت هذا الباب بفصل عرضت فيه لأهم آثار عقيدة الكشف على العقائد الإسلامية من خلال بيان أثر ذلك على الإيمان بالربوبية والألوهية، والنظرة إلى النبوة واعتماد مبدأ التقية والكتمان وغير ذلك من القضايا.

    ثم أنهيت هذا البحث بخاتمة ركزت فيها أهم نتائج هذا البحث، وأهم التوصيات.

   بعد هذه الرحلة المثيرة، والمليئة بالمفاجآت، بقي أن نذكر بأهم النتائج المحصلة من هذا البحث، وأن نفتح آفاقا جديدة بتوجيهات واقتراحات لمن أراد أن يقتحم مجاهل هذا النوع من الدراسات التي ما زالت في حاجة إلى بحث وتحقيق.

أولا: أهم النتـــائج

1- أن التصوف ليس مجرد طريق عملي مشتق من الشرع، بل هو عقيدة ورؤية للكون وللإنسان مبدأ ومعادا.

2- أن الشريعة تمثل مجرد بداية ومرحلة للارتياض في الطريق الصوفي الذي ينتهي إلى الحقيقة، فالشريعة ظاهر الدين، والحقيقة باطنه، وهذا ما جعل الغزالي يتحدث عن عجائب القلب بمفهومه الفلسفي في مقدمة الشطر الثاني من الإحياء، فكان فاصلا بين الشطر الظاهر والشطر الباطن، أو بين العلم الظاهر والعلم الباطن.

3- أن للتصوف الإسلامي ارتباطا وثيقا بالثقافات غير الإسلامية، فهو ليس اجتهادا وتطويرا ينطلق من أصول الإسلام الخالصة، بدليل مصادمته للمنهج الإسلامي في حقيقة التزكية وفي المنهج والمآل. وحقيقة صلته بالإسلام كانت لمجرد إضفاء الصبغة الإسلامية على المداخل والبدايات، وكأنها وضعت على سبيل الاستدراج، ومداراة العوام.

4- أن التصوف قائم على التفلسف، فمنه استمد الرؤى والتصورات عن الوجود، بل يمكن القول أن التصوف تفلسف رهباني (عرفاني)، وأن التفلسف تصوف عقلاني (برهاني)، وإن شئت قلت: التصوف هو الفلسفة المشرقية ذات المنزع العملي، وهي التي عرفت بها شعوب آسيا، في مقابل الفلسفة المغربية المولعة بالنظر، والتي تربع على عرشها مفكرو اليونان، ولعل هذا أحسن ما قيل في العلاقة بين التصوف والتفلسف، وبيان الفرق بينهما، فكان التصوف غلوا في العمل، كما كان التفلسف غلوا في النظر، لكن الإسلام لا هو تصوف، ولا هو تفلسف، بل هو تحنف، جاء بطريقة سمحة غاية في الاعتدال والتوسط، لا شرقية ولا غربية.

5- أن الغزالي – رحمه الله– فتح بابا كان مغلقا عند أهل السنة والجماعة وهم جمهور الأمة، فبسببه لقي التصوف قبولا واسعا عندهم، وحُلي بنعت السنية، والحقيقة التي وقفنا عليها من خلال هذا البحث، أنه ليس هناك فرقان ضابط يفصل بين تصوف سني وتصوف فلسفي، فكلاهما خرجا من أصل واحد، وجوهرهما جوهر واحد، وغايتهما غاية واحدة، إذ التصوف لا يستحق اسم التصوف إلا بما ميزه من منطلقات ووسائل ونهايات… ولعل الفارق أن يكون في التزام المتسننين من الصوفية بالتكتم الشديد، لأنه دائما يوجد في أهل السنة بقية ينهون عن الفساد في الأرض.

    والحاصل أن الإمام الغزالي شكل منعطفا خطيرا جدا في تاريخ الفكر الإسلامي لأنه استطاع أن يجعل التصوف شريعة عامة، رغم أنه شريعة الخاصة، فمكن له في أوساط المسلمين باعتباره أعلى مستويات الدين، وصار لخواص الصوفية منذئذ رياسة أزرت برياسة السلاطين وعلماء الشريعة.

6- قد نسب إلى المسيح عليه السلام أنه قال: ” من ثمارهم تعرفونهم، فهل يطرح الشوك عنبا؟! ” وهذا هو معنى القاعدة: ” إذا كان اللازم باطلا فالملزوم باطل ” وهي قاعدة عقلية مسلمة عند أهل الفطر السليمة، والبصائر التي لم تعمها العصبيات. وقد رأينا ما ترتب عن أفكار الغزالي في الكشف من نظريات خطيرة في الفكر الإسلامي ما تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا. فقد مهد الطريق أمام أصحاب الفلسفات الإلحادية التي تجرأت بقوة على أصول العقيدة الإسلامية فبدلتها، ومن هؤلاء ابن عربي والسهروردي والجيلي وفريد الدين العطار… إلخ.

7- ومن ثمرات المنهج الصوفي في تزكية النفس الدال على فساد الأصل أثرها على العمران والاجتماع البشري، فالذين التزموا هذا المنهج عرفوا بسلبيتهم القاتلة من خلال مسالكهم المخالفة لطريقة الشرع في العزلة والخلوة، والتشديد على النفس وتعذيبها بالجوع الشديد وحرمانها من الطيبات ضمن ما يسمونه بالزهد، ولو فرضنا التزام أغلب الناس به لخرب العمران، ولتعرضت الأمة للاستئصال، والغزالي نفسه يعترف بهذه النتيجة حيث قال: ” بل الشرع في تكليفه العَالَم، اقتصر على فرائض ومحظورات يشترك فيها عوام الناس، بحيث لا يؤدي الاشتغال بها إلى خراب العالم. والسالك في سبيل الله يعرض عن الدنيا إعراضاً لو ساواه الناس كلهم  لخرب العالم”[2]، فانظر كيف جعل العوام كالبهائم المسخرة لخدمة المتبطلين من الزهاد، بل يزعم الإمام الغزالي أن الحكمة اقتضت غفلة الجمهور عن طريق التصوف لأن صلاح العالم موقوف على شيء من الفساد !!! فاستمع إليه يقول: ” ولكن جعل الله تعالى في غفلتهم وجهلهم نظاما للبلاد ومصلحة للعباد، بل جميع أمور الدنيا انتظمت بالغفلة وخسة الهمة، ولو عقل الناس وارتفعت هممهم لزهدوا في الدنيا، ولو فعلوا ذلك لبطلت المعايش، ولو بطلت لهلكوا ولهلك الزهاد أيضا “[3].

    لكن الذي يعرف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه رضوان الله عليهم، يعلم أن منهج التزكية في الإسلام قائم على التهذيب لا على التعذيب، وعلى التعمير لا على التدمير، وعلى المخالطة الإيجابية لبناء مفهوم الأمة الذي يضيع بالعزلة والهروب نشدانا للخلاص الفردي.

8- أن التزكية في المفهوم الصوفي منبنية على التجرد من آثار الطبيعة وسلاسل الجسد، واستحقار كل ما يشد – بزعمهم – إلى العالم السفلي الظلماني، وهذا أمر مستحيل التحقق، لمخالفته الفطرة التي فطر الله الناس عليها، (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: 30].

9- أن جوهر ما سماه الغزالي ” علم المكاشفة ” ينتهي إلى وحدة الوجود ويدور في فلكها. فهي حقيقة التوحيد عنده، وهي غاية الغايات ومنتهى الطلبات، ومن هنا تظهر مباينة مفهوم التوحيد عند الصوفية لمفهوم التوحيد الذي جاءت به الرسل عليهم السلام.

10- من أخطر النتائج المترتبة على الاعتقاد بالكشف هدم ركن النبوة: فالواصل يشارك الأنبياء في معنى النبوة، فالكشف وحيه، والحفظ عصمته، والكمال صفته، حتى لو كان من أجهل الناس بشريعة الإسلام وبسنة النبي عليه الصلاة والسلام، سوى أنه يسمى وليا، بل غلا بعضهم فقدم الولي على النبي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –: ” وذلك أنه لم يمكنهم أن يجعلوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا – فإن هذا كفر ظاهر- فزعموا أنه إنما تنقطع نبوة التشريع ورسالته، وأما نبوة التحقيق ورسالة التحقيق – وهي الولاية عندهم – فلم تنقطع، وهذه الولاية عندهم هي أفضل من النبوة والرسالة، ولهذا قال ابن عربي في بعض كلامه:

                    مقام النبوة في برزخ *** فويق الرسول ودون الولي

وقال في الفصوص: فإذا سمعت أحدا من أهل الله تعالى يقول أو ينقل إليك عنه أنه قال: الولاية أعلى من النبوة:  فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه “[4].

11- أن حقيقة الغزالي تتوارى خلف خطاباته المتفاوتة، ولذلك كان الوصول إلى إدراك مقاصده وأهدافه متوقفا على فهم قواعد الخطاب عنده أولا. وهذا ما يفسر الإشكالات التي اعترضت الباحثين في فكر الغزالي وفلسفته، لما غاب عنهم فهم هذه القواعد حتى اعتقد الكثير منهم تناقض الغزالي، وذهب كثير ممن تعصب لبعض آرائه دون جدوى إلى إنكار نسبة بعض كتبه إليه، والحق أن الغزالي كانت له سياسة في الخطاب لا يجوز معها نسبة التناقض إليه، ولهذا سمى سره: ( المضنون به على غير أهله ).

وهذا أمر لم يبتدعه الغزالي – وإن كان قد برع فيه – بل سلكه قبله كل من ادعى باطنا مفارقا في الإسلام، ولكن الفتنة عمت لما تبنى أمثال الغزالي من الأعلام هذه السياسة، إذ أفضى الأمر إلى انكسار موازين الفهم، وضوابط الدلالة، فحصل اضطراب شديد في الفكر الإسلامي إلى اليوم.

12- اعتقاده أن الناس متفاوتون في أصل الفطرة، فمنهم موفقون ومنهم محرومون، وأن هذا التصنيف ينبني على رؤية كونية تابعة لثنائية الوجود (العلوي والسفلي)، وهو أمر تابع الغزالي فيه الفلاسفة. وهذا خلاف عقيدة الإسلام التي تقرر وحدة الفطرة الإنسانية.

13- أن طريق التصوف باعتراف الغزالي[5] وغيره[6] طريق شاق وعسير غير مأمون الغوائل ولا مضمون العواقب، ولا يصل فيه إلا الواحد بعد الواحد وهم ندرة على الأعصر، وهذا خلاف صفة الإسلام الذي هو دين يسر وسماحة ورحمة للعالمين.

ثانيا – توصيات البحــث وآفــاقه:

     انطلاقا من هذه الخلاصات الحبلى بالإشكالات، يمكن اقتراح بعض المواضيع الجديرة بالبحث والدراسة، منها:

1- دراسات توثيقية ترد ما سماه الغزالي بالمكاشفات إلى أصولها الفلسفية سواء في الدائرة الإسلامية أو خارجها.

2دراسة واسعة لمصطلحات الإمام الغزالي لأهميتها القصوى في تقريب مقاصد فكر هذا الإمام الذي استأثر باهتمام العلماء والباحثين قديما وحديثا، وما يزال تراثه زاخرا بكثير من الإشكالات العلمية الجديرة بالبحث والتنقيب.

3- دراسة تاريخية وافية لحياة الغزالي تلقي الأضواء على محطات غامضة من حياته، من شأنها أن تساعد الباحثين في تراثه الفكري الكبير على الوصول إلى نتائج أكثر دقة وعلمية.

4- توثيق كتب المضنون به على غير أهله من خلال كتب الغزالي المعروفة.

5- تحرير موضوع التزكية مما خالطه من شوائب العجم، ورده إلى أصله القرآني.

6- ومما يفيد في عملية التحرير هذه توفير دراسات تاريخية ووثائقية عن المعارف الصوفية عند الأمم قبل الإسلام، وهذا يحتاج منا إلى عملين هامين:

الأول: ترجمة أعمال الدارسين الأجانب المتعلقة بهذا الجانب.

والثاني: تشجيع الباحثين العرب والمسلمين على الإنتاج في هذا الميدان .

     وأخيرا نقول: أن ما قمنا به لا يعدو أن يكون محاولة متواضعة ضمن مشروع تصحيح المفاهيم بردها إلى أصولها الشرعية الصافية، متوخين بذلك المساهمة ولو بالنزر القليل في خدمة الفكر التربوي الإسلامي الذي نرى أنه لا يزال يحتاج إلى الدراسة والبحث و التحقيق، ومن الأقوال الحكيمة التي نختم بها هذا البحث كلمة موجزة يلخص بها الإمام أبو عمرو ابن الصلاح – رحمه الله – رأيه في الإمام الغزالي، إذ يقول: ” أبو حامد كثر القول فيه ومنه. فأما هذه الكتب – يعني المخالفة للحق – فلا يلتفت إليها. وأما الرجل فيسكت عنه، ويفوض أمره إلى الله “[7]، وقد علق شيخ الإسلام ابن تيمية على قول ابن الصلاح بقوله: ” ومقصوده: أنه لا يذكر بسوء، لأن عفو الله عن الناسي والمخطئ وتوبة المذنب تأتي على كل ذنب، وذلك من أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله، ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره، وتكفيره الذنوب بالمصائب تأتي على محقق الذنوب، فلا يقدم الإنسان على انتفاء ذلك في حق معين إلا ببصيرة، لا سيما مع كثرة الإحسان، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، والقصد الحسن”[8].

     وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن ينفع بهذا العمل كل مطلع عليه، ويحقق به آمالنا في خدمة الدعوة إلى الله تعالى، تصحيحا للمفاهيم وردا للأمة إلى رشدها، لترتبط من جديد بالمنبع الصافي، والمورد الشافي، وسوقا للعباد إلى رحمة رب العالمين.

     وأحمد الله تعالى الذي وفقني لاختيار هذا الموضوع، وأعانني على إتمام هذا العمل بعد مجهودات ومخاضات شديدة على مستوى التفكير والتحرير، في ضيق من الوقت، وزحمة من الواجبات، فما وفقت فيه للخير فمن الله تعالى وما جانبت فيه الصواب، أو أخطأت فيه التقدير فمن ضعف البشر، وحسبي أنني حاولت اقتحام هذه العقبة الكأداء في مجاهيل فكر الغزالي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – أنظر على سبيل المثال هذه المواضع من الإحياء: 1/2 ، 3/63… وغيرها من المواضع.

[2] – ميزان العمل: ص 71-72.

[3] – إحياء علوم الدين: 3 / 227

[4] – مجموع الفتاوى: 2/221

[5] – أنظر على سبيل المثال الإحياء: 3/20.

[6] – ذكر الدكتور عبد الحليم محمود – الملقب بالعارف عند صوفية العصر – أن التصوف ” أرستقراطية”،  راجع نص كلامه في الباب الثاني من هذا البحث. وكذلك أخبر التاج السبكي في طبقاته عن أبيه أنه قال عن طريق التصوف: هي طريقة الرشاد التي كان السلف عليها ، ويقول مع ذلك: هو مسلك وعر جدا. [ طبقات الشافعية: 10/219]

[7] – مجموع الفتاوى: 4/ 65.
[8] – نفس المصدر: 4/ 66.