تربيتا والقدوات الصالحة

الداعية الملتزمة بقضايا الأمة

فوزية حجبي رائدة الأدب المؤمن 

fozia

إعداد ذ.عبد الرحيم محمد نور

    من نكد الدنيا أن يحتل في الغالب الأعم مركز اهتمام الرأي العام- في هذا البلد الأمين- أخبارنجوم الأغنية ولاعبي كرة القدم، وأن ينظر إليهم بتبجيل وتقدير، ويتم تقديمهم للأجيال الصاعدة باعتبارهم نماذج للإئتساء والإقتداء،  بينما لا يكاد  يحس أحد بوجود أرباب الأقلام الذين يقفون دوما على خطوط التماس الأولى للمنافحة عن القيم الثقافية والحضارية للأمة، ويواجهون في ثبات وشمم الفقر الفكري، والهشاشة المعرفية، والاستلاب الثقافي، التي تعتبر في مجملها الذراع الأيمن للمرض الفتاك الذي يصرع الأمم ويدحرها، وهو فقدان الثقة في الذات، والتي تشكل بدورها الإرهاصات الأولى للموت الحضاري.

    وليس في الأمر إجحاف للفن ولا للرياضة، إذ لا ينكر عاقل فضلهما، ولكن توليتهما موضع الصدارة، أمر لم يقل به ذو عقل له إلمام بسلم الأولويات في المجتمعات البشرية، ففي البدء كانت الكلمة الصادقة الملهمة للهمم،  والمشكلة للوعي،  والهادية إلى الصراط المستقيم، وهي المفتاح السحري لكل ما بعدها.

    مناسبة هذا الكلام هو الصمت المطبق الذي رافق وفاة الكاتبة والأديبة المغربية فوزية حجبي، بينما يتم إطلاع الرأي العام كل يوم بسيل من أخبار الممثلين والمطربين والرياضيين، بحركاتهم وسكناتهم، وحتى التافه من أنبائهم وأسرارهم.

الأستاذة فوزية حجبي أسوة حسنة للمرأة المسلمة:

    إذا كانت القدوة في المجتمع تخفي وراءها قوة ناعمة تعمل عملها في التأثير على وجدان الناس وعقولهم ومهجهم، وتتضح خطوطها العريضة في مشاريعهم الفكرية، فتهوي إليها القلوب، وتنسلب الألباب، وتغير نظرة الأجيال الجديدة للكون والحياة والإنسان،  وتخلقهم خلقا آخر،  فإن الأستاذة حجبي – ولا نزكي على الله أحدا- حقيقة بأن تتربع في صدارة القدوة الحسنة في الحقل الإسلامي في صيغته المؤنثة.

    ومعلوم أن الأستاذة حجبي استهلت حياتها الفكرية بالنضال في صفوف اليسار مدفوعة بنفسها الثورية الباحثة عن المعنى، لكن حرقة السؤال الوجودي جعلها بعد لأي تيمم وجهها شطر الاتجاه الإسلامي، حيث حطت رحالها منتشية بحلاوة الإيمان، وكأي مثقف حقيقي لا يعجبه العجب، استنكفت الأستاذة حجبي أن تعيش مؤمنة مقلدة، وهي التي تملك نفسا تواقة لا يرضيها إلا إيمان العارفين، فجلست إلى مقاعد الدراسة تكرع من علم الشريعة الغراء، وحصلت على الإجازة في الدراسات الإسلامية، لتساهم في الدعوة إلى الله تعالى على بينة وسداد، امتثالا لقوله عز وجل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف: 108].

    وقد درجت الأستاذة حجبي على كتابة عمود أسبوعي في جريدة “المحجة”،  تميزت فيه بأسلوبها الرصين، الخفيف على الجنان، والثقيل إن شاء الله في الميزان، أبانت فيه عن تمكن مدهش من آليات التواصل، وفن الخطاب الإسلامي الرشيد، المضمخ بنكهة تلائم روح العصر، قاصدة في مشيها، مؤثرة في وسطها، مستلهمة من الوحي القرآني والهدي النبوي، وهو ما مكنها من بناء قاعدة عريضة من القراء الذين يستهويهم تحليل قضايا الساعة بحبكة راقية تجمع بين العصرية والتنوير، مع عدم معاداة القيم والدين، وهو ما ساعد الأستاذة حجبي على المشاركة في النقاش المجتمعي العام بحس المثقف العضوي، الذي ديدنه المشاركة النقدية، والتشوف إلى الإصلاح البناء، والاشمئزاز من التطبيل، والإعراض عن المزايدة، والامتعاض من الزيف، والنظر إلى المصلحة العامة باعتبارها حجر الزاوية في كل عمل يتقصد الإصلاح.

    ومن بين الإسهامات التي سجلت فيها الأستاذة حجبي حضورها الوازن باعتبارها شاهدة على العصر، نرصد ما يلي:

1- تصحيحها لطرح قضية المرأة المسلمة

     فقد شاركت الأستاذة فوزية حجبي في النقاش المجتمعي حول المرأة الذي خضع للتمييع والتحريف والمزايدة من طرف المثقف المزيف الذي يقرأ واقعنا بعقل غيرنا، ويتحدث بغير لساننا، ويدعي تمثيل الدفاع عن الحركة النسائية من غير تفويض، فيهرب من النقاش الحقيقي الذي يحظى بالأولوية، ويستبدله بقضايا لا تحظى بالراهنية، وحتى طرحها يتسم بالتحريف والإنشاء والهروب إلى الأمام.

    فعلى أطلال اليوم العالمي للمرأة، وهو يوم دأبت نخبتنا المخملية- التي رجلاها على أرضنا، وقلبها مع من يعادينا- على إحيائه بافتتان المغلوب الولهان، المولع بتقليد الغالب أزرق العينين،  طالبت الأستاذة حجبي نساءنا بالتريث أمام “صخب يدعونه 8 مارس،  أو اليوم العالمي للمرأة”[1] ورفعت عقيرتها مذكرة من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد،   في حرارة المؤمن وحكمة الرائد: “تذكري انك ما خلقت لتظلي مبنية للمجهول،  وورقة ميتة تحملك الريح العقيم أنى طاب لها المقام،  وأنت سليلة الصحابيات الماجدات،  وخريجة مدرسة النبوة،  التي رقتك بالإيمان والأعمال الصالحة إلى مدارج المصطفين.”[2]

    وبلمسة نقدية غير جارحة، أشارت الأستاذة حجبي إلى المساحيق وعمليات التشبيب التي أدمنتهما المرأة المعاصرة،  مؤدية في سبيل ذلك أغلى الأثمان،  ناصحة أنه كان الأمر سيغدو أفضل وأحسن لو كان “السعي التجميلي للروح كما الجسد،  ولمضغة القلب مرضاة لله،  واستجابة لرسوله الذي لا يدعوك إلا لما يحييك أختي.”[3]

    ونبهت بحس تربوي محذرة من مغبة التماهي مع الدعوات النسائية العالمية التي تقدم”لائحة انتقائية لا تعادي من الجور الذي يعصف بحقوق المرأة إلا ما يدور في بلاد الإسلام، لتنسبه إلى القرآن والسنة، وداعش،  وهي صناعة قادتهم.”[4]

    وسخرت الأستاذة حجبي من نساء يدعين بسذاجة تدعو إلى الرثاء استكمال الوعي، وتمثيل تيار الدفاع عن الحرية والحقوق، وأنهن “ضد تسليع المرأة وتهميشها”[5]، لكنهن تصرفن بطريقة التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، “حين خرجن عاريات الصدور، يكرسن سلعية أجسادهن، وينفرن الرجال حتى من احتمال مراجعة سيرة وأد كرامة المرأة.”[6] وهذا هو الضلال المبين.

2- رفع قيمة الحياء والحب الحقيقي أمام إعلام تحريضي ومغرض

    استعر النقاش العام بعد ما سمي حينها- سنة 2013 بحادثة قبلة الأطفال التي أسالت مدادا كثيرا، وتم القبض على الفاعلين، وتنافست الأقلام في تناول القضية من زوايا متباينة، بعضها اتخذ منحى المزايدة والمنافحة الأيديولوجية البعيدة عن الطرح العلمي،  ومن تم أدلت الأستاذة فوزية حجبي بدلوها، وبرزانتها المعهودة لم تحبذ القبض على الطفلين، وعرض قضيتهما بطريقة فضائحية، كانت نتائجها وخيمة، خصوصا على الفتاة التي عليها أن تواجه مجتمعا ذا طبيعة محافظة، سيعمل على نبذها، وأسرة جرحت في أعز ما يملكه الإنسان، وهو كبرياؤه وشرفه، وترى الأستاذة حجبي أن المقاربة القضائية قاصرة عن احتواء تداعيات الموضوع الاجتماعية والتربوية، وبالتالي فهي غير كافية، “مشيرة إلى أن العالم العربي الإسلامي يعيش موجة انفجار جنسي رهيب، موجة تصدعت معها قيم وبنيات الاستحياء من الوالدين، ومن العائلة، ومن الجيران، ومن الناس أجمعين.”[7] وتساءلت في تحدي من يعرف أن الجميع يعرف ويعترف أن انهيار القيم قد استشرى في مفاصل المجتمع: “فهل سنزج بالمواطنين أجمعين وراء القضبان؟ وأين هي الدعوة بالتي هي أحسن؟”8 ووضعت الأستاذة حجبي وصفتها لآفة السقوط الأخلاقي الواقع تحت تأثير إعلام مغرض،  يقدم منتوجا مسموما يتساقط ضحاياه كل يوم، وهو أحرى بقضبان السجن من الطفلين، موصية أنه من الحكمة في مثل هذه الأزمات أن نحتضن أطفالنا، “ونهمس لهم بكل حب وصدق  أننا نريد ما فيه صالحهم، ونعلمهم بكل ذكاء عاطفي قيمة الحياء والحب الحقيقي داخل إطاره الشرعي، وفي وقته، بعد تحصيل دراسي يسمح لهم بزواج، وأطفال يعيشون الإستقرار والأمان ودفء الوالدين، لا برد ملاجئ وحضانات من سمي ظلما وبهتانا وتضليلا بالأمهات العازبات.”[8] وهي إشارة بليغة إلى النتائج الكارثية للعلاقات بين الجنسين خارج مؤسسة الزواج، أو المتمردة عليها، والتي يروج لها الإعلام الوسخ، والأدب الرخيص، وأشباه المثقفين، وتكون ثمارها العفنة هذا الطابور الذي تتضخم أعداده في غفلة من العفة والحياء يوما بعد يوم بأطفال مجهولي النسب، يلاحقهم العار والشنار.

3- الإسلام عقيدة والتزام

     من إبداعات الأستاذة فوزية حجبي حديثها الأسيف عما أسمته بمسلمين بغير إسلام، والذي يدور حول الادعاء العاطفي بالانتماء إلى الإسلام، دون أن يصدق ذلك العمل، وهو عطب استشرى في الأمة، يثير استغراب المؤمن وغير المؤمن، ولد في ليل المسلمين البهيم بسبب إمساك الثقافة الاجتماعية بزمام قيادة المعرفة الدينية، عوض أن يحدث العكس، فنراها تقول واصفة حال هؤلاء:”يغترفون من المنظومة الدينية بشكل جاهل محدود الفهم، وهي في نفس الوقت معجونة بأعراف وتقاليد.”[9]

    وتوضح نجاح القيم الاجتماعية المريضة في إلقاء ظلالها الملوثة على المسلم، مما يؤدي إلى ميلاد إسلام يعاني من تشوه خلقي، والأستاذة حجبي تستنير فيما تذهب إليه بكتاب الرئيس البوسني السابق “علي عزت بيغوفيتش”،  الموسوم ب”الإسلام بين الشرق والغرب”، وفيه يتحدث بيغوفيتش عن”المتدينين الذين قد يكونون من العاملين في الدعوة الإسلامية، لكن سلوكهم لا يختلف عن عتاة الماديين…وأناس ينتسبون للفكر المادي، ومع ذلك يتمتعون بإخلاص شديد، ومستعدون للمعاناة، بل للنضال من أجل الآخرين.”[10]

    وهذا ما يثير التشويش، ويبعث على الحيرة، حينما يصير المسلم عامل صد،  وداعية سوء ضد عقيدته، وحينئذ يحشرها في الزاوية، ويسيء إليها إساءة بالغة بتصرفات رعناء لا تنتمي إليها، بل هي قائمة على محاربتها، فيحسبها الناس من الإسلام،  وما هي من الإسلام، حتى أن مفكرا من عيار “محمد أسد”-  الذي تحول إلى الإسلام – قال والعجب قد ملك منه الفؤاد: “كلما ازددت فهما لتعاليم الإسلام، وعظيم أحكامه ومبادئه، ازددت في التساؤل عما دفع المسلمين إلى هجر تطبيقها تطبيقا تاما في حياتهم اليومية.”[11]

4- أدب الطفل عند الأستاذة فوزية حجبي[12]

     بروحها الشفافة المسكونة بالإيمان، ارتأت الأستاذة حجبي أن تولي اهتمامها الفني، لتغذية عقول الأطفال بالمصاحبة الأدبية والتوجيه الجمالي، ومن هنا جاءت مجموعتها القصصية “شجرة الخيرات”، وهي إبداع قصصي من توقيعها،  يتضمن تسع قصص قصيرة تهم العالم الطفلي، وتلامس فيه موضوعات اجتماعية بحس أخلاقي:كاحترام الوالدين في قصة “لا تقل لهما أف”، وقيمة التراحم في قصة “درس في الرحمة”، وخلق العرفان بالجميل في قصة “نهاية حصان”، وخصلة الثقة بالنفس، واغتيال الخوف المضيع للكرامة في حكاية “إن الله معنا”…وهكذا ذواليك.

    ولما استضاف موقع “لها أونلاين” الأستاذة حجبي، لم تتردد في الكشف عن غرضها الثاوي وراء هذا العمل السردي الموجه للطفولة، متمثلا في تجديد وعي الأطفال، وتغيير الصورة النمطية التي يقدمها الإعلام الوافد.

    فالأستاذة حجبي كانت ترى أن الأطفال في حاجة إلى وعي جديد ينسجم مع التطورات الاجتماعية، ويواكب التحولات الثقافية، وفي نفس الوقت لا يولي ظهره للأصالة، ويقف في وجه النمطية التي تسعى العولمة إلى فرضها، والأستاذة حجبي تشترك مع أدباء آخرين في هذا المسعى، منها أستاذ المسرح المبدع الدكتور عبدالكريم برشيد الذي صاح بأعلى صوته قائلا أنه من حق المغربي”أن لا يعيش الغربة والمنفى في قوالب فنية مغلقة، وأن لا ينسب لفن غير فنه، ولا يبدع بلغات تعبيرية ليست لغاته.”[13]

    رحم الله الفقيدة الملهمة، الأستاذة فوزية حجبي، وجعل ما خطته بقلمها حجة لها، وليس حجة عليها، وعملا خالصا لوجهه الكريم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]مقال:”رسالة مفتوحة إلى امرأة رسالية” ذ. فوزية حجبي:جريدة المحجة،  بتاريخ 08-مارس  2017،  العدد:474

[2]  – نفس المرجع

[3]  – نفس المرجع

[4]  – نفس المرجع

[5]  – نفس المرجع

[6]  – نفس المرجع

[7]  – مقال:”الأمر أعجل من استعراض المنكرات في الشارع العام”: ذ. فوزية حجبي:جريدة المحجة،  بتاريخ 02 نونبر 2013،  العدد:407

[8]  – نفس المرجع

[9]  – مقال: “محمد أسد، وإشفاقه من مسلمين بغير إسلام” ذ.فوزية حجبي:جريدة المساء، بتاريخ الجمعة 01 يوليوز 2016،  العدد:3025

[10]  – نفس المرجع

[11]  – نفس المرجع

 [12] – نفس المرجع

[13]  – عمود:كرسي الإعتراف: جريدة المساء،  بتاريخ 16 نونبر 2018،  العدد:3516.