تربيتنا والأدب

قصة قصيرة: المدية والسكين

Capture

 ذ.عبد الرحيم مستبشر

أستاذ التربية الإسلامية – القنيطرة

آذنت الشمس بالمغيب، وتدثرت الحارة القديمة في عباءة سمراء، وارتفع صوت المؤذن أن حي على الصلاة والفلاح، ثم تبدى شبح “السعدية” في رأس الحارة عائدة من جولة ما بعد الظهر، تجمع فيها ما ينفحها إياه المحسنون من أهل الخير، كانت قد جاوزت الثمانين بيسير، لكنها لا تزال تحتفظ بصحة طيبة بالقياس إلى عمرها، وكانت حكايات من جايلها تروي بشأنها قصصا سطرتها إبان شبابها أقرب إلى الأساطير، فقد حكى العم “الهاشمي” بصوته الجهوري الذي يعلو ولا يعلى عليه:

– كانت السعدية في شبابها رجلا لا ككل الرجال..لا بل إنها كانت كأنها أوتيت قوة عشرة من الرجال ذوي البأس الشديد.

وصدقه العم “بوسلهام”وقال وهو يحرك رأسه:

– أي نعم..كانت مقاتلة شرسة تجندل الخصوم وترعب الأعداء، ونطحة رأسها لا تخطئ أبدا، والويل لمن عثر به حظه وواجه محنة نطحتها.

وقال العم “عباس”- زيادة في التأكيد- وكان قد ضر في شيخوخته:

– كانت قمرا، وكانت تلعب بالمال، وفي القتال هي عفريت من الجن.

وها هي الآن – وقد أوشكت شمعة عمرها أن تنطفئ- تحترف التسول، ولأنها لم ترزق أولادا من خلال زيجاتها المتعددة، فقد ربت ولدا-“خليل”-هو الآن في الأربعين من عمره، وبنتا -“نادية”-هي الآن في العشرين من عمرها، فأما الشاب فقد ترك المدرسة مبكرا، واحترف الغناء وإحياء الليالي الملاح، لكنه لم ينل ما كان يعقد عليه أمله وطموحه، فهو في عرف أهل الصنعة مطرب متواضع من الدرجة الثالثة أو الرابعة، ولم يفت عدم اعتراف الأوساط الفنية ب”موهبته” في عضده، وطفق يتهم من  ينكر نبوغه المزعوم بأنه من الجمهور التافه في هذا الزمن قليل الأدب، الذي تحظى فيه الضحالة  والسفالة بالاحترام والتبجيل.

وعلى النقيض من ذلك، أبانت نادية  عن رغبة  ذات لهب في التعلم، مدعومة بنباهة فطرية، وذكاء طبيعي، وشقت طريقها في المدرسة بعزم وثبات وبصيرة، وبزت أقرانها، وسطع نجمها، وأشارت إليها الأصابع لا لجمالها، فلم تكن سوى فتاة عادية، سمرتها مفتوحة، مع ميل إلى البدانة والطول، لكن عنصر قوتها الأساس كان هو دماغها الجبار…ثم نجحت في امتحانات الباكالوريا بتفوق، وولجت الجامعة، وتخطت السنة الأولى والثانية بسلاسة تعكس صلابة عودها في التحصيل، ونجابتها في التعاطي مع  محاضرات العلم…لكن الدنيا فاجأتها كعدو مبين وهي في عامها الجامعي الأخير، عام الإجازة، فقد وقعت لأمها التي ربتها – السعدية – حادثة سير أدت إلى كسر في وركها أقعدها على كرسي متحرك، والكسر في مثل سنها لا يجبر، وهكذا أصبح مصير الأسرة- من غير أخذ أو رد- معلقا في رقبة نادية، ذلك أن “الفنان” الذي تدعوه أخاها لا يستيقظ إلا بعد منتصف النهار، ويدعي أنه ينتظر فرصته لتنصفه الأيام التي تمالئ الدخلاء،  وعديمي الموهبة، والذين لا  يربطهم بالفن إلا الإدعاء بينما ينال الأصلاء وأهل الصنعة الحقيقيون التهميش والتجاهل…وهكذا انقطعت نادية عن الدراسة الجامعية التي أحبتها، لأنها منحتها  الثقة في النفس، والإحساس بالوجود، ولذة المضي في السبيل الصحيح الذي سيقودها إلى حياة جديدة ومحترمة، وها هي ظروف سوداء تصدها عن جامعتها المحبوبة، وترمي بها في سوق العمل الطاحن المتجهم، والذي للأسف لا يعترف بالجامعة والشهادة والثقافة، وعملت تحت إمرة عانس حقودة شبه أمية، تعمدت إيذاءها ومسح كرامتها بالأرض منذ اليوم الأول:

– إنسي شيئا اسمه الجامعة، هنا عالم آخر يا حبيبتي المتبجحة بالثقافة…قفي مستقيمة وأنا  أكلمك، وانظري إلي باحترام،  فكلمتي هنا هي القول الفصل…قالت لها متلذذة بإيذائها.

وتوفيت العجوز السعدية ذات ليلة تميزت بالبرودة الشديدة، وووريت التراب، وتقدم – في هذه الظروف التي كشرت عن أنيابها بغير مجاملة – أرمل كهل لنادية طالبا يدها، فتصدى له خليل، ورفض هذا الزواج غير مكثرت بموافقة أخته، التي اعتبرت الأمر ضريبة لا بد منها لاستكمال دراستها التي لا زال حبها في قلبها حيا يرزق، وللتخلص  من العمل في الشركة التي أذاقتها الذل والهوان، وقالت لأخيها بهدوء يشي بالنضج والحكمة:

-إسمع يا أخي، نحن محتاجان لهذا الرجل أكثر مما هو في حاجة إلينا…لاحظ أننا لسنا في موقف اختيار.

فصاح خليل بغضب أنساه واجب الحياء والتحفظ:

-إنه لا يصح أن تتزوجي رجلا في سن والدك، ما هو في النهاية سوى كهل متصاب، والغالب أنه شخص مهووس باغتصاب الأطفال.

فسكتت نادية، ولم تستمر في الجدال، فأخوها يدافع عن مصلحته باستماتة، متنكرا في ثياب مدافع عن حقها في الزواج من ند لها، فهو يخاف أن يبقى وحيدا لا يجد من يؤمن له لقمة العيش ومصروف الجيب…وقد لامتها صديقتها “لطيفة”على موقفها السلبي قائلة بغير تحفظ:

-أخوك يرعبه التغيير الذي يجعل مستقبله كأي فاشل على كف عفريت،  وأنت من سيدفع الثمن…لو كان رجلا جديرا برجولته لشمر عن ساعده وبحث عن أي عمل لتتفرغي أنت لدراستك، فلم يعد يفصلك عن الإجازة الجامعية إلا سنة واحدة، لكنه يقرأ وضعيتكما بطريقته النفعية.

فتنهدت نادية وقالت باستسلام:

-إنه أخي…ثم إن أمي أوصتني بالعناية به قبل انتقالها إلى الرفيق الأعلى.

– لكنه ما دام يجد كل صباح صينية الإفطار عندما يستيقظ، فلن يفكر أبدا في البحث عن عمل.

وتقدم خطيب ثان، وهذه المرة كان شابا في عقده الثالث، وتقدم ثالث ورابع، وخليل يرفع ورقة الرفض يشفعها بتبريرات واهية لا يصدقها هو نفسه..ودارت الأيام، وساءت العلاقة بينه وبين من يدعوها أخته، والتي لم تعد ذات يوم، فانتظر اليوم بطوله، وحاول الاتصال بها عدة مرات، لكنها كانت لا ترد، ثم لاحظ فجأة اختفاء معظم ملابس أخته وحوائجها، فدق قلبه، وتسرب الرعب إلى نفسه…وقبيل منتصف الليل اتصلت به وأخبرته أنها قررت الإستقرار عند والدتها الحقيقية التي أنجبتها، فصاح بانفعال ويد اليأس تتحسس عنقه:

– لكنها تخلت عنك عندما كنت في حاجة إليها، وأنا الذي اعتنيت بك حتى عدت بشرا سويا.

وفاضت عيناه بالدموع على الرغم منه، وسمع صوتها وهو يفعل في قلبه فعل السم الزعاف:

– إنها أمي على كل حال، وقد التمست مني الغفران عما اجترحت مضطرة تحت ضغط ظروف قاهرة فغفرت لها، والله من قبل ومن بعد غفور رحيم.

رمى خليل الهاتف وقد أسقط في يده، وارتمى على كرسي وقد خارت قواه:”ها قد حدث ما كنت منه تحيد…وهاهي الواقعة قد وقعت…والزمن المشاكس لا يزال يعاني من مقت غير مبرر تجاهك…”

ومر شهران ثقيلان ذاق فيهما الأمرين، وباع خلالهما من متاع البيت ما يسد بثمنه رمقه، لكن نفسه لم تحدثه بالبحث عن عمل، وفزع لأول مرة في حياته إلى الصلاة، بينما لم يسبق له من قبل أن ركع ركعة واحدة، وهو ما حذا بالعم الهاشمي أن يقول له على سبيل النصح بنبرة ذات معنى:

– الدين الحق يجمع بين العبادة والعمل، حتى يتسنى للمؤمن الاستفادة  في الدنيا والآخرة.

لكن خليل بقي وفيا لتصميمه التاريخي في عدم الاكتراث بالبحث عن عمل، وقد علق “عبد الخالق” ولد العم الهاشمي على أسلوب خليل قائلا بسخرية:

– لخليل فلسفة تمتح من التخلف، وتجمع بين النقيضين:التدين والكسل، وما أظنه عاد إلى الله إلا لأنه بقي وحيدا، وقد عاش ردحا من الزمن عالة على أمه ثم على أخته، ولم يعرف إلى المسجد سبيلا.

فنهره أبوه قائلا في غضب:

– دع الخلق للخالق، وأقبل على شأنك، واسأل الله لنا وله الهداية.

وذات أصيل، سمع خليل وهو في البيت صوت أخته نادية يشقشق في الزقاق الذي يقطن فيه، فأطل من النافذة مستطلعا وقد اهتز كيانه بعنف، فرآها تخرج حوائجها من سيارة أجرة، وقد تحلقت حولها بعض الجارات وهن يهنئنها بالعودة…نعم…عادت بعد أن كبلتها أمها – التي رأت فيها بقرة حلوبا هي أولى بحليبها من الغريب –بقرض بنكي لا يستهان به،  ستدفع نادية أقساطه الثقيلة لزمن طويل…ولما ولجت إلى البيت بعد أن وعدت الجارات المتشوفات للأخبار بجلسة تحكي لهن بالتفصيل الممل تجربتها المريرة في بيت أمها التي لا تحمل من الأمومة إلا الاسم، وجدت في استقبالها فتاة أربعينية عانقتها بحرارة…ثم قدمت  لها نفسها في فخر أنها زوجة أخيها خليل، وتعمل منظفة في عيادة طبية خاصة.