تربيتنا المدرسية

الرهانات التنموية لمادة التربية الإسلامية

نحو تأسيس نظري لوعي جديد (1/2)

oo

ذ. عز الدين الخمسي 

مفتش التعليم الثانوي

jk

مدخل

      بالرغم من أن مقولة “التربية أساس التنمية وركيزتها” تكاد تكون من المسلمات التي لا تناقش في الخطاب التربوي ببلادنا، فإنه لحدود اليوم، وبالرغم من المجهودات الإصلاحية المتوالية، ما زال السؤال التربوي مطروحا بحدة وخاصة في جوانبه المتعلقة بإرساء نموذج لمدرسة مغربية جديرة بثقة المجتمع المغربي، ومستجيبة لتحديات وحاجيات الألفية الثالثة في ظل تعاظم مطالب العولمة.” [1]

   يحمل هذا البحث قلق السؤال السوي القاصد الاستراتيجي،المرتبط من جهة بمستقبل التنمية في بلادنا في السياق الدولي والوطني المتميز بتسارع التحولات والتناقضات والتحديات، والمتعلق من جهة ثانية براهن قطاع التربية والتعليم الذي يتبنى منظورا متقادما لأدواره التنموية يتمظهر أساسا في هزال وضعف موقع التربية على القيم في المدرسة المغربية.

   نتناول في هذا البحث “برؤية جديدة ومقاربة مغايرة”، الأدوار النوعية لقطاع التربية والتعليم في تهيئة الشروط الأساسية لتنمية شاملة مستجيبة لتحديات وحاجيات الألفية الثالثة، في ظل المنظور الجديد لمسألة التنمية، في علاقتها بما يسمى في الدراسات المعاصرة ب”الرأسمال الاجتماعي”.

أولا: مقاربات جديدة للتنمية: من “التنمية البشرية” إلى   تنمية ” رأس المال الاجتماعي”

    في الوقت الذي كان رَجْع صَدَى مفهوم “التنمية البشرية” يتردَّد في العالم العربي، ويقترب ببطء من دوائر القرار المتعلق بمسألة التنمية، كان هذا المفهوم قد بدأ يتململ ويتهيأ للانزياح عن الصدارة والأولوية في الخطاب حول التنمية عند خبرائها بالعالم الأول، أمام زحف مفهوم جديد انكشفت محوريته في الفعل التنموي، إنه مفهوم “رأس المال الاجتماعي”. ولعلنا سننتظر عقدا آخر من الزمان ليصل صداه هو الآخر ويأخذ مكانه بتقليد أو بوعي في خطاباتنا حول التنمية والتربية.

    مفهوم رأس المال الاجتماعي: تتعدد تعريفات[2] مفهوم ” رأس المال الاجتماعي” بتعدد الخلفيات الثقافية والسياقية ومجال الاهتمام، وحتى لا نتيه في زحام الصياغات المتباينة وما تختزنه من سياقات وخلفيات، سنحاول أن نستخلص من مجموع التعريفات[3]  الملامح العامة المميزة للمفهوم وعناصره الرئيسة المكونة له.

  •  الملامح العامة المميزة للمفهوم: تجمع مختلف التعريفات رغم تباينها على الإقرار بخاصيتين مميزتين للرأسمال الاجتماعي:
  • كونه يوجد في ما وراء الواقع المادي والأشخاص بصفتهم الفردية: بمعنى أنه لا يوجد في الموارد الطبيعية والمواهب البشرية الفردية، وبتعبير كولمان” إنه غير متاح في الأفراد مثل الرأسمال البشري، ولا في المظاهر المادية للإنتاج”، وإنما يوجد ” في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد”[4].
  • كونه ” قوة اجتماعية كامنة”: بمعنى أنه يوجد في البنية الاجتماعية للجماعة. و تنشأ تلك القوة الكامنة “من التعاون بين أفراد الجماعة” بحيث تؤمن للجماعة ” العيش المشترك” الذي يسهم في “تحسين ظروف معيشتهم”
  •  العناصر الرئيسة المكونة للمفهوم: بتحليل مختلف تعريفات مفهوم “رأس المال الاجتماعي” نستخلص عناصر رئيسة مكونة له هي كالآتي:
  • موارد كامنة في البناء الاجتماعي للأمم والشعوب والجماعات المختلفة،
  • تلك الموارد عبارة عن علاقات وشبكات علائقية إيجابية مجسدة لمنظومة قيم مرجعية، أو لنقل: عبارة عن منظومة قيم مرجعية متجسدة في شبكة من العلاقات الاجتماعية الايجابية،
  • يتم استخدام تلك الموارد في أفعال مقصودة،
  • يؤمن ذلك الاستخدام حالة من الجماعية والعيش المشترك الذي يسهم في تحسين ظروف المعيشة أي في التنمية.

    تأسيسا على ما سبق، يمكن أن نقترح صياغة مقربة لمفهوم” الرأسمال الاجتماعي” كالآتي: ” إنه مخزون حي من الرؤى والاعتقادات والقيم والأعراف والممارسات،الكامنة في مجتمع ما، والتي ينشأ عنها شبكات العلاقات التساندية والتضامنية والتكافلية، والتي تؤمن التماسك والعيش المشترك“.

سياق نشأة وتطور مفهوم” رأس المال الاجتماعي”: انتزع الخبراء الأمريكيون مفهوم “رأسمال الاجتماعي” من المجال الذي وظفه فيه ” بورديو”، وهو مجال الدراسة النقدية/التحليلية للنظام الطبقي[5]، ونقلوه إلى مجال  البحث في قضايا التنمية.  وقد تم ذلك في  سياق وعي نقدي /تحليلي– تبلور عند عدد من  الباحثين الأمريكيين[6]– بأزمة التنمية في  ظل اللبرالية المتوحشة التي تتجه بقيمها الضاغطة إلى تفتيت “الجماعات الإنسانية” إلى ذرات  و”جزئيات يغترب بعضها عن بعض، ولكنها تتماسك ب “المصالح الإنّية“. والمؤكد أن السياق الذي أفرز الاهتمام بهذا المفهوم هو بالأساس وعي علمي بتهديد قيم ” التشظي ” و“الاغتراب“، ونمط ” الحياة السيالة” [7]والعلاقات النفعية العابرة والمجتثة، السائدة في المجتمعات النيولبرالية الحديثة، لقضايا ” التنمية”.

  ولقد حظي مفهوم ” الرأسمال الاجتماعي” في السنوات العشر الأخيرة، باهتمام دراسي  كبير وعالمي في المجالات التنموية[8]، كما حظي برواج سياسي متنام خاصة بعد أن اعتمدته  العديد من المنظمات الدولية، وأصبحت تراهن عليه وتعلق عليه آمالا كبيرة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية[9]. وقد تحول المفهوم بالتدريج إلى مدخل للتنمية لدى المنظمات الدولية[10] باعتباره يسمح  بالترويج لأطروحة ” الاعتماد على النفس في التنمية“، ولضرورة استناد الاستراتيجيات التنموية بالأساس على تعبئة الموارد المحلية:فالناس هم “أداة التنمية وغايتها”. ويسمح أيضا بتجاوز مفهوم “المسؤولية الاجتماعية لرأس المال[11] الذي لا يكتسب قوة الإلزام القانونية لا محليا ولا دوليا.

ثانيا:الرهانات التنموية للرأسمال الاجتماعي:

     يؤكد خبراء التنمية اليوم على مركزية ” الرأسمال الاجتماعي” وتأثيره النوعي والحاسم في ” مسألة التنمية”، وتنتهي أبحاثهم بتعدد زواياها وخلفياتها إلى إثبات وتأكيد أطروحة مقاربة جديدة للتنمية يمكن التعبير عنها بالقاعدة الآتية:  ” لا تنمية حقيقية ومتكاملة بدون رأسمال اجتماعي غني وفاعل “، إذ بالرغم من أهمية الرأسمال المادي والرأسمال البشري، يبقى المحرك المحوري للموارد في اتجاه التنمية المتجذرة والشاملة هو “الرأسمال الاجتماعي”. وبالتالي فإن فرص التنمية الشاملة والمتكاملة تكون سانحة وممكنة بقدر غنى ” الرأسمال الاجتماعي” وتنوعه ورسوخه في الوجدان الجمعي للمجتمع، وأيضا بحسب قدرة الجماعة على تفعيل رأسمالها الاجتماعي وتنميته وحمايته.

     اهتم العديد من الخبراء المؤسسين لمفهوم الرأسمال الاجتماعي بتوصيف الآثار التدميرية المختلفة لانهيار “الرأسمال الاجتماعي” ليس فقط على التنمية، بل وأيضا على الإنسان في كينونته وكرامته.[12] وانكب آخرون على معالجة وكشف وتحليل تهديدات نمط العيش الليبرالي للرأسمال الاجتماعي في المجتمع الأمريكي[13]، وتتبع آليات اللبرالية في تدمير هذا الرأسمال الحيوي، واستقصاء آليات الممانعة المحلية (الأمريكية)، وعند الجماعات الإنسانية الأخرى. في حين ركز آخرون على البحث العلمي الإجرائي[14] الذي يستهدف التوصيف العلمي ل “الرأسمال الاجتماعي” والتحديد الإجرائي لمصادره ومكوناته، وكيف تتفاعل تلك المكونات وتفعل، ووسائل ضبط تفاعلاته وقياس حجمه[15] وفعله…الخ. واتجه دارسون آخرون إلى الدراسة المقارنة ل ” الرأسمال الاجتماعي” بين جماعات مختلفة، أو في مجتمع بعينه في مراحل مختلفة من التاريخ[16]. ومن الاتجاهات البحثية المهمة في نتائجها، الدراسات التي ركزت على كشف أثر الرأسمال الاجتماعي في تخفيف معاناة المعدمين وتقليل عواقب الفقر ومحاصرة آثاره في البيئات الفقيرة[17].

    ولعل الذي يجمع بين أقطاب هذا التيار التنموي – إن صح التعبير بذلك -على اتساع مجالات اهتمامهم، هو سعيهم جميعا إلى بلورة رؤى ومقاربات علمية لإعادة بناء “الرأسمال الاجتماعي” المنهار في المجتمعات الليبرالية الحديثة.

    يضفي مفهوم “رأس المال الاجتماعي” بعدا إنسانيا على عملية التنمية، ويدل على قيمة وفعالية العلاقات الاجتماعية ودور الأعراف والقيم والثقافة والدين في تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية.  ويؤكد الخبراء أن أدلة متزايدة تشير إلى محورية التماسك الاجتماعي في النهوض الاقتصادي وفي استمرارية التنمية، وهناك توجه علمي متنام نحو اعتماد التماسك والتضامن المجتمعي مقياسا اجتماعيا لصحة المجتمع ومساره التنموي[18]، وفي نفس الاتجاه تؤكد الدراسات الحديثة أن رأس المال الاجتماعي مصدر كامن للقيمة يمكن العمل على تقويته وتدعيمه وتحويله –إذا احتل أهميته في إطار عملية تخصيص الموارد –  إلى أهداف استراتيجية مثمرة.

ثالثا : ثراء  الرأسمال الاجتماعي الإسلامي: حيوية الأمة الاجتماعية وقيادتها للفعل الاجتماعي:

    يصطلح الإسلام على المجتمع بمصطلح فريد ودال ” الأمة”[19]، وهو مصطلح يتضمن معاني الوظيفية والمهمة والقصد المشترك، فالأمة جماعة إنسانية وظيفية ممتدة متعايشة، تتقوى بتضامن أفرادها حول حزمة من القيم التي تعمل بها وتدعو لها.

    الفعل الاجتماعي فعل تعبدي باعثه التكليف الإلهي: تتأسس نظرية التكليف الإسلامية على أمانة الاستخلاف التي تمنح الإنسان فردا وأمة تكليف بناء الحياة بالحق وعمارة الأرض بالخير. وهو تكليف اختياري حر[20] ،لا تحكمه قوانين سالبة للإرادة والاختيار. وقد أفرغ الإسلام رؤيته المجتمعية في منظومة فقهية[21]  قوية ومحددة المعالم  – تتضمن  تفصيلا وافيا للتكليف الإلهي- في صيغة فروض عينية وأخرى كفائية، وحزمة حقوق وواجبات وقيم ضامنة. ويؤدي المسلمون من خلال المنظومة الفقهية الغنية والشيقة والمحفزة والملزمة، فعلا اجتماعيا واسع الأرجاء وغير متناهي، يستغرق كل متطلبات المجتمع المتجددة في جميع مناحي الحياة المتعددة، في وعي كامل باختياراتهم. وبذلك تتكون ذوات جماعية متلاحمة و مبادرة، تمتلك مؤهلات التدبير الذاتي المحلي المستقل، ومقومات تجاوز الأزمات الصعبة ومغالبة جراح الواقع المؤلم.

    الفرض الكفائي مفهوم اجتماعي بامتياز: يفوض الإسلام للأمة عبر المفهوم الشرعي المسمى الواجب الكفائي، مهام ووظائف ومسؤوليات اجتماعية واسعة، تتسع بسعة الحياة الاجتماعية ومتجددة  بتجدد التحديات التي تواجهها الأمة. واللافت للانتباه، هو أن الفرض الكفائي يرفع المهام الاجتماعية إلى دائرة العمل التعبدي الديني، والتكليف الجماعي الواجب شرعا، و الذي تتجزأ المسؤولية الجماعية عنه وتتوزع على الجميع  بدرجات متفاوتة، كل بحسب أدواره الموجودة بالقوة التي يخولها له موقعه الاجتماعي، ومؤهلاته الذاتية والعلمية، والتي  يفترض فيه أن يوظفها في إقامة الفرض الاجتماعي. يشعر الفرض الكفائي أن العمل الاجتماعي ليس مجرد تطوع  قد تسخو به النفس أو قد لا تسخو، وإنما هو فرض من الفرائض التي يتضامن المجتمع وجوبا في إقامتها عبر تفريغ مؤهلين للقيام بها، بحيث لا يسقط التكليف عن الكل إلا متى قام به البعض، وحين يهمل يأثم الجميع.

   فالفروض الكفائية – باعتبارها واجبات جماعية اجتماعية تؤديها الأمة بكيفية تضامنية- ربت المسلم على الالتحام بالجماعة، و نشَّأت المجتمعات المحلية على الاعتماد على إمكاناتها الذاتية. وتاريخ المسلمين خير شاهد: فقد غطى المجتمع المسلم أكثر الوظائف الاجتماعية وأدقها، وأرسى ممارسات وتقاليد راقية وفاعلة -تحولت إلى أعراف-  في التدبير الذاتي المحلي الجماعي التشاركي التضامني، بحيث أصبح بإمكان كل تجمع مهما صغر وفي أبعد نقطة عن الحواضر أن يوفر لأفراده، وللوافدين عليه أيضا، فرص العيش الكريم والتعليم والعمل، والتطبيب والتحكيم والمساعدة. وقد كشفت امتحانات تاريخية كثيرة عن صلابة المجتمع المسلم وعافيته، وقدرته الفائقة على التشكل والتضام والتساند والممانعة الذاتية، وتوفير الأمن في الظروف العصيبة، وملء الفراغ  المترتب عن انكسارات النظام السياسي المركزي.

رابعا: تدمير صرح الأمة الاجتماعي: من تفكيك المنظومة الفقهية /القيمية إلي تفكيك الأعراف المجتمعية:

    عندما دخل ليوطي مدينة فاس صرح قائلا: “إن استمرار وجود فرنسا في المغرب رهين بمدى قدرتها على تدمير «الكهف المظلم» “، وكان يقصد جامعة القرويين. كانت فرنسا تدرك أن تفكيك المجتمعات المحلية المتلاحمة والمقاومة رهين بنجاحها في إماتة حس المسؤولية الاجتماعية، وتدمير الأعراف المجتمعية التراحمية والتكافلية، والطريق إلى تحقيق كل ذلك يمر بالضرورة عبر تدمير أو تعقيم “القرويين” رحم ومحضن العلماء. باعتبارهم يشكلون -لرصيدهم الرمزي الأخلاقي وفعالية أدوارهم المجتمعية – قمة بنيان المجتمع وقيادته الفعلية.

   وأيضا لكونهم حماة المنظومة الفقهية والقيمية التي شُيِّدَ على أساسها أوسع تساند جماعي بتدبير مستقل عرفه التاريخ الإنساني. لم يكن الأمر سهلا، فمؤسسة القرويين كانت مستقلة بذاتها إداريا وماليا، فكانت أول حرب المستعمر على أوقاف الجامعة العتيدة، تلاها التضييق على العلماء، ثم بث الخلاف في صفوفهم.

   واستكملت القيم اللبرالية المتسللة والضاغطة لعقود، ثم المعولمة لاحقا، عمليات هدم الصرح الاجتماعي الشامخ للشعوب المسلمة، وأحلت محله نظما اجتماعية مؤسسة على ما يدعوه جون ديوي ب« فرديتنا الخشنة » و “فرديتنا المهلهلة »[22]. أبرز سمات هذه النظم الهجينة “اللا أمنية بمعنى الافتقار إلي الاطمئنان[23]، و«النفعية الاجتماعية» و” تعمیم ثقافة الاستهلاك “وتصاعد مظاهر القلق والهياج والتسرع ..، والتي هي بحسب تعبير ديوي “حتميا من مستلزمات وضع (اجتماعي)لا يجد فيه الأفراد سندا ورضا، في كونهم أعضاء في كلٍّ اجتماعي واحد يعيلهم ويعيلونه[24] ».

خامسا: نحو مشروع تربوي /تنموي للارتقاء مجددا إلى رتبة الأمة: من العمل التعاوني إلى العمل التعارفي[25]

   يميز الفيلسوف المجدد الدكتور طه عبد الرحمان بين”العمل التعاوني” الذي هو “انتظام مجموعة من الأفراد في أعمال اجتماعية خيرا كانت أو شرا “، وبين “العمل التعارفي” الذي هو “التعاون على المعروف وترك التعاون على المنكر،‫  ويقرر أن « روح الجواب الإسلامي  عن أسئلة هذا الزمان يتجلى  في حقيقتين اثنين؛ إحداهما الإيمان  ويوصل إليه بالنظر إلى مختلف الآيات أي بالنظر الملكوتي[26] بوصفه مؤسسا للنظر الملكي؛ والثاني التخلق، ويتوصل إليه بالتعامل مع مختلف الأشخاص والأمم، أي بالعمل التعارفي[27]  بوصفه مؤسسا للعمل التعاوني[28] »[29].و« الأصل في نظر المسلم أن يكون نظرا ملكوتيا والأصل في عمله أن يكون عملا تعارفيا »[30] ، فالنظر الملكوتي يورثه “رسوخ الإيمان، والعمل التعارفي يورثه دوام التخلق[31]. وبالتالي “رتبة الأمة” لا تدرك إلا “بالعمل التعارفي”، وهذا يستدعي الانتقال  من العمل التعاوني إلى العمل التعارفي عبر” تأسيس العمل الأول على العمل الثاني » تأسيسا  صريحا يتصف لزوما بصفتين أساسيتين : هما «التسديد» و«التكميل»: فمقتضى التسديد أن يتولى العمل التعارفي “تقويم الاعوجاج” الذي يحتمل أن يقع فيه العمل التعاوني الذي يتسع نطاقه غاية الاتساع « فيجوز أن يتبع مسالك لا ترقى بسلوك الإنسان، وإنما تنحط به، كما يجوز أن تغريه مكاسبه بقلب المعيار الأخلاقي، مدعيا وجود المعروف حيث لا معروف، ووجود المنكر حيث لا منكر، حينئذ يكون واجب العمل التعارفي  في الحالة الأولى أن يوجهه للمسالك التي ترتفع بسلوك الإنسان، وفي الحالة الثانية أن يوجهه إلى الضوابط التي تفصل بين المعروف والمنكر”[32].ومقتضي التكميل أن يتولى العمل التعارفي ” سد النقص” »الذي لا ينفك عنه العمل التعاوني  مهما اجتهد في الوفاء بحاجات ورغبات الأفراد والمجتمعات» بتزويده بالمعايير العليا التي لا يهتدي إليها بنفسه.

خاتمة

    رأينا كيف يعرف العالم من حولنا تحولات جذرية في النظر إلى مسألة التنمية، وكيف يركز في مقاربتها دراسيا وتخطيطا وممارسة على المخزون القيمي الإيجابي للمجتمعات المحلية. فالعالم المتقدم اليوم يشهد تمددا متصاعدا لمساحة فعل المجتمع وتأثيره، وتوسعا لسلطة مؤسساته في الحياة العامة، مقابل تقلص مساحة امتداد الدولة و مؤسساتها، وهو تصور يقترب من التماهى مع المنظور الإسلامي لعلاقة الدولة بالأمة /المجتمع..  وبالتالي أصبح الرهان قويا على التربية ومؤسساتها ، وعلى تطوير المقاربات التربوية النظامية وغير النظامية لإحياء المخزون الثقافي والديني للرأسمال الاجتماعي وتقوية الوظائف الاجتماعية للمواطن وللمجتمع الأهلي أو المدني.

   وهنا نتوقف لنتساءل بحرقة: أين نحن اليوم  في سياق هذه التحولات والحركية  التربوية /التنموية التجديدية؟ وما مدى وعينا الجماعي بحاجة التنمية الشاملة إلى قيم جمعية حية في الوجدان الاجتماعي موصولة بثقافة المجتمع وتاريخه؟ وما مدى استحضار هذه الحاجة في التخطيط للتنمية؟ ومتى يبدأ التراكم الدراسي العلمي حول “الرأسمال الاجتماعي المغربي” ؟ ومتى ينتهي إلى استخلاص مداخل مؤسسة علميا لإحيائه وبعثه و تجديده وتقويته؟ و في غياب كل ذلك كيف ندعم ونقوي التربية على القيم في منظومتنا التربوية النظامية وغيرالنظامية بما يجعلها مسهمة في إحياء وتقوية و تفعيل المخزون الغني للأمة في تكوين رأس مال اجتماعي وطني؟ وما هي الأدوار الجديدة لمادة التربية الإسلامية التي تعتبر بمنهاجها الجديد المنقح رائدة في الانتباه المبكر إلى ضرورة تعزيز دور المدرسة  في إحياء وتكوين “رأسمال اجتماعي” يعتبرأساسيا في كل مشروع وطني للتنمية؟

   في القسم الثاني من البحث سنقارب هذه الأسئلة الشائكة وما يرتبط بها، في أفق تجديد الوعي بالرهانات التنموية للمدرسة المغربية عموما، ولمادة للتربية الإسلامية تحديدا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

[1]التربية الريادية في منظومة التربية والتكوين: من أجل مقاربة منهجية لإرساء الكفايات وتمكين التلميذ «ة» من تطوير قابليات التعلم والجاهزية للعمل” ابراهيم الباعمراني منير الشرقي، جريدة الاتحاد الاشتراكي، 19-01-2012 – https://www.maghress.com/alittihad/142127

[2] – ظهر مصطلح رأس مال الاجتماعي social capital مع” كان هانيفان” وانتشر في كتابات “ بورديو“، ثم تطور بشكل واضح في أعمال ” جيمس كولمان” و ” بوتنام” و ” رونالد بيرت” وغيرهم.

[3] – عرفه الفيلسوف الفرنسي بيير يرديو:”الموارد والطاقات الكامنة في الشبكات الاجتماعية المختلفة، والتي تؤدي إلى تحقيق منافع جماعية، بأثر من القيم التي تتحكم في البنى الاجتماعية”  وعرفه الأمريكي “كان هانيفان” عام  2016″ قوة اجتماعية كامنة،تكفي لتحسين ظروف المعيشة، يستفيد منها أفراد الجماعة، وهي تنشأ من التعاون بين أفراد الجماعة” وعرفه كولمان عام  1988″ يوجد في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد،ويتشكل من الالتزامات والتوقعات فيما بين الإفراد، وإمكان الحصول على المعلومات والمنافع”

[4] – عزت حجازي، رأس المال الاجتماعي كأداة تحليليه في العلوم الاجتماعية، المجلة الاجتماعية القومية، المجلد الثالث والأربعون ـ العدد الأول ـ يناير 2006

[5] – فهم “بورديو”  ” الرأسمال الاجتماعي”  والثقافي على أنه رصيد من العلاقات والرموز قابل للتداول والتراكم والاستخدام،مثله مثل رأس المال المادي، واهتم في إطار تحليله النقدي للنظام الطبقي،بكشف التوظيف الطبقي لهذا الرأسمال والامتيازات الطبقية التي يمنحها.  وقام  “جيمس كولمان”  ومن بعده “روبيرت بوتنام” بنزع مفهوم رأسمال الاجتماعي من الرؤية السوسيولوجية الطبقية ل ” بورديو”.. وصياغته في إطار سلوكي اقتصادي.

[6] – انظر مثلا: ألان  اهرنهارت، “المدينة الضائعة: فضائل المجتمع التي تم نسيانها في شيكاغو في الخمسينيات”، نيويورك: الكتب الأساسية، 1995، أنظر أيضا روبرت بوتنام د. ولويس فلدستين، “معاً أفضل: استعادة المجتمع الأمريكي” نيويورك: سيمون وشاستر، 2003.

[7] –  أنظر مثلا مات ريدلي،” أصول الفضيلة: الدوافع الانسانية وظهور التعاون “،نيويورك: بنجوين للكتب، 1997

[8] –  أنظر مثلا بيتر ماير، “القيمة الاقتصادية الأكبر لرأس المال الاجتماعي في جنوب استراليا”، 2004،

[9] – .أنظر مثلا بول كوليير، “رأس المال الاجتماعي والفقر“، واشنطن: البنك الدولي، 1998

[10] – نبه العديد من الدارسين إلى الخلفية السياسية لاهتمام المنظمات الدولية بالمفهوم باعتباره يساعد دول الشمال على التحلل من التزاماتها اتجاه دول الجنوب.

[11] – وهو ما يصطلح عليه في بلادنا ب “الشركة المواطنة” وانفتاح القطاع الخاص على محيطه الاجتماعي..

[12] – انظر مثلا: سينيت، ” تآكل الشخصية: الآثار الشخصية على العمل في الرأسمالية الجديدة “،نيويورك: نورتون، 1998.

[13] – أنظر كتابات ” روبيرت دفيد بوتنام” التي   يناقش فيها الانهيار غير المسبوق الذي شهدته الحياة المدنية والاجتماعية والتجمعية والسياسية في الولايات المتحدة الأمريكية مند الستينات من القرن العشرين:  “الاختفاء الغريب لأمريكا المدنية” 1996،”اللعب المنفرد للبولينج: تدهور رأس المال الاجتماعي الأمريكي” 1995،  “اللعب المنفرد للبولينج: انهيار وصحوة المجتمع الأمريكي“2000.

[14] –  كثيرا ما يثار أن رأس المال الاجتماعي هو أكثر صور رأس المال غموضا، ربما لأنه في الأساس قيمة غير منظورة أو ملموسة، في حين تتعلق الصور الأخرى لرأس المال بظواهر يمكن تمييزها وقياسها بسهولة وبشكل ملموس..

[15] – اهتم ” منتدى ساجاوارو”  – استمرارا لعمل “بوتنام “-  بالبحث عن  مزيد من وسائل قياس حجم رأسمال الاجتماعي في سياقات مختلفة. وقياس تأثيره  المتوقع  مستقبلا على مختلف الأنشطة.

[16]   – أنظر مايكل والزر، “المدنية والفضائل المدنية في أمريكا المعاصرة“، مبادئ ثورية: رؤية ديمقراطي محطم،نيويورك: الكتب الأساسية، 1980,

[17]- أنظر مثلا  سوزان ساجرت و جي فيليب تومبسون و مارك ر. وارن،” رأس المال الاجتماعي والمجتمعات الفقيرة” سلسلة مؤسسة فورد حول بناء الأصول 2011. وأيضا  ديبا نارايان ولانت برتشت،القروش والحياة الاجتماعية: دخل الأسرة ورأس المال الاجتماعي في المناطق الريفية بتنزانيا“،1998.

[18] – ينتقد عدد من الخبراء (كوهن وبروساك فيليس) تسمية ” القيم الإنسانية للتنمية” التي تم الانتباه لها  ب” رأس المال”  لما يتضمنه من تهديد بتسليع الظاهرة الاجتماعية في السياق الحالي للرأسمالية.

[19] – يتحدث القرآن عن الأمة لا المجتمع يقول طه عبد الرحمن:‫ «هناك فرق بين المجتمع والأمة، ذلك أن المجتمع هو مجموعة ما، أفراد يسلكون سبيل الاشتراك في سد الحاجات وأداء الخدمات، » « أما الأمة فهي المجتمع منظورا إليه من جهة القيم التي يدعو إليها، والتي تؤهله لأن يبلغها إلى الأمم الأخرى، سعيا وراء الارتقاء بالإنسان »  طه عبد الرحمن،الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي- البيضاء، الطبعة 1/2005، صفحة 20.

[20] – فسح المجال للإنسان ليختار الابتعاد مطلقا عن مهمة عمارة الأرض والتفرغ لمهمة العبادة، أنظر الحديث الذي رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن ) وروى مسلم في صحيحه نحوه (1888 ) عن أبي سعيد الخدري أيضاً رضي الله عنه أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللَّهَ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ”.

[21] – الصيغة الفقهية المحددة تتجاوز في فاعليتها وقوتها التنظير الفلسفي المجرد والخطاب الأدبي المعمم.

[22] – جون ديوي، ” الفردية قديما وحديثا”،ترجمة خيري حماد، مراجعة مروان الجابري، منشورات دار مكتبة الحياة،بيروت1979 صفحة 11

[23] – جون ديوي،”الفردية قديما وحديثا”، المرجع نفسه، صفحة 52

[24] – جون ديوي،”الفردية قديما وحديثا”، مرجع سابق، صفحة 53

[25] – نعرض هاهنا باختصار وجهة نظر وجيهة وملهمة  للفيلسوف المجدد الدكتور طه عبد الرحمن،أنظر بتفصيل: الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري المركز الثقافي العربي- البيضاء،الطبعة 1/2005،الصفحات 16-32.

[26] –  “النظر الملكوتي هو النظر إلى الأشياء (الظواهر) بوصفها  آيات”   و ” الآية هي الظاهرة منظور إليها من جهة  المعنى.. “الدال” على الحكمة من وجودها، وهذا المعنى عبارة عن قيمة ينبغي لمن يدركها العمل بمقتضاها ”  طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مرجع سابق، ص 19،

[27] –   ” لما كان كتاب الأمة المسلمة يطلق على “العمل بقيم الخير” اسم” الإتيان بالمعروف “…جاز أن نسمي التعامل بين الأشخاص المختلفين، وبين الأمم المختلفة باسم ”  العمل التعارفيأذ حقيقة التعارف هو أنه التعاون على المعروف وترك التعاون على المنكر” طه عبد الرحمن،الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مرجع سابق، ص21،

[28] – لما كان كتاب الأمة المسلمة يطلق على” الانتظام في أعمال اجتماعية خيرا كانت أو شرا ” اسم “التعاون”..جاز أن نسمي التعاون بين الأفراد المختلفين، وبين الأمم المختلفة باسم ”  العمل التعاوني” طه عبد الرحمن الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المرجع نفسه، ص20

[29] -طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي- البيضاء،الطبعة 1/2005صفحة 24

[30] -طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مرجع سابق، صفحة 24

[31] — طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مرجع سابق،صفحة25

[32] – طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مرجع سابق، صفحة 24