حوارات

حوار في موضوع: المواطنة بين الرؤية الإسلامية والتنظيرات الحديثة

مع الدكتور محمد إكيج

8

إعداد: د.هشام موساوي

1) نبذة عن السيرة الذاتية

    الدكتور محمد إكيج من مواليد مدينة كلميم جنوب المغرب، حاصل على الإجازة في الدراسات الإسلامية من جامعة ابن زهر بأكادير سنة 1992، ثم على دبلوم الدراسات العليا في موضوع “قواعد الترجيح عند المفسرين القدامى” سنة 1998 بجامعة محمد الخامس بالرباط، ثم على شهادة الدكتوراه من نفس الجامعة سنة 2013 في موضوع: “المواطنة في الاجتهادات المعاصرة: دراسة تاريخية فقهية قانونية مقارنة”، باحث وخبير متخصص في قضايا الأسرة، صاحب برنامج “في رحاب المدونة” بإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، وبرنامج “إضاءات حول المدونة” بقناة السادسة المغربية، ومشارك في عدد من البرامج الحوارية التلفزية خاصة برنامج “بدون حرج” بقناة Medi1TV، وخطيب وواعظ بعدد من مساجد نفس المدينة.

  • 2) أسئلة الحوار
  • 1- بداية أستاذي ما المقصود بمصطلح المواطنة؟

    بادئ ذي بدء أشكركم جزيل الشكر على هذه الاستضافة الكريمة، متمنيا لكم المزيد من التألق والإبداع بإذن الله..

   مصطلح المواطنة، أو citizenship” الإنجليزية أو “Citoyenneté” الفرنسية، يحيل على معاني الانتماء السياسي والحقوقي إلى الوطن أرضا ومؤسسات دستورية وقانونية، ويجسد هذا المفهوم الرابط الأعمق بين المواطن والوطن، كما بين المواطن والدولة. فالمواطنة إحساس بالانتماء وشعور بالولاء، وليست مجرد اكتساب لجنسية وطن ما. وقد عرف هذا المفهوم عدة تطورات وإضافات باعتباره مفهوما تاريخيا يختلف من زمان لآخر ومن بيئة اجتماعية وسياسية وحضارية لأخرى، حيث تأثر بالنضج السياسي والحضاري للإنسان الغربي عموما، والأوربي على وجه الخصوص.

    فالمواطنة لدى اليونان كانت تعني المشاركة الإيجابية في إدارة الشأن العام وممارسة المهام الوظيفية الأساسية في المجتمع وتحديدا القضاء والسياسة والحكم.. ومن هنا يأتي تعريف أرسطو للمواطن بأنه “من يكون له حق الاقتراع في مجالس الدولة، والاشتراك في ممارسة السلطة”، إلا أن هذا الحق لم يكن متاحا للجميع، فلم تكن تستفيد منه فئات العبيد والنساء والأجانب، وعليه فإن المواطنة في المفهوم اليوناني، كانت أسيرة لواقع الطبقية، بحكم أن فئة محدودة هي التي كانت تتمتع بهذه الصفة.

    أما في العهد الروماني، فمر المفهوم بمرحلتين: ففي المرحلة الأولى كان معيار الانتماء إلى الوطن (روما) هو أساس المواطنة، وأما سكان الأقاليم الأخرى فكان ينظر إليهم على أنهم مجرد رعايا بالمفهوم الغربي للرعية، والتي تعني التبعية التامة – في النفس والمال والكيان – لصاحب الأرض أو السلطة السياسية.

    وفي المرحلة الثانية أصبح معيار الولاء، وليس الإقامة، هو الأساس في اتصاف الفرد بالمواطنة الرومانية. ومن ثم أصبح  كل أبناء الشعوب الخاضعة للإمبراطورية الرومانية مواطنين فيها، واختفى التمييز بين الروماني وغيره من سكان الأقاليم المفتوحة.

    ومع عصر النهضة الأوربية تبلور وتطور مفهوم المواطنة بمعناه الحديث، وذلك نتيجة لاهتمام الفكر السياسي فيها بإعادة اكتشاف هذا المبدأ واتخاذه تدريجيا مرتكزا لبناء الدولة القومية ولتأسيس نظم سياسية حية وفاعلة حققت قدراً متزايداً من الاندماج الوطني والمشاركة السياسية الفعالة وحكم القانون، ويظهر تطور هذا المفهوم في عدة جوانب منها:

  • إعادة الاعتبار للفرد وذلك بالاعتراف بحريته ومكانته في الحياة، خلافا للعصور الوسطى التي همش فيها دور الفرد كاملا.
  • التأكيد على مفهوم القومية وربطه بالدولة الحديثة كوحدة سياسية تقوم على أساس الشعور القومي الذي يربط بين أبناء الأمة الواحدة،
  • الاستفادة من نتائج حركة الإصلاح الديني التي قادها مارثن لوثر في أوربا، فقد ساهمت هذه الحركة في دعم الحركة الإنسية وتقويتها، وازداد الفرد شعورا بقيمته الذاتية، وعادت فكرة المساواة الطبيعية والحرية إلى الظهور مرتكزة على دعائم علمية ودينية وقانونية،
  • الاعتراف بحق الأقليات الدينية والمذهبية، خاصة في شمال أوربا، مما أدى إلى تكريس مبدأ التسامح الديني ..

    ثم بعد أن تخلص الفكر الأوربي من سلطة الكنيسة السياسية والفكرية والحد من هيمنة البابوية على الحياة العامة، اتجه إلى مزيد من التنظير للحقوق التي تضمن مساحات رحبة للحرية والمساواة والتسامح.. والبحث عن التنظيم السياسي الأمثل الذي يمكن أن  تتجسد من خلاله هذه المبادئ التي تضمن كرامة  الإنسان / المواطن الذي ولد حديثا في أوربا، لأجله اتجهت كتابات الفلاسفة، خاصة فلاسفة عصر الأنوار، إلى صياغة مفهوم جديد للمواطنة  نقلها من مجرد الانتماء إلى دين أو طبقة إلى مفهوم سياسي يعتمد الأمة والدولة معيارا، وهكذا بحثوا في حدود سيادة الدولة وعلاقتها بالمواطن من خلال التنظير لتعاقد سياسي واجتماعي واضح يرسم  حدود العلاقة بين الحق والواجب ويضع الفواصل اللازمة بين المساواة السياسية والقانونية، التي أفرزتها أو يمكن أن تفرزها التطورات السياسية والاجتماعية التي عرفتها مجتمعات أوربا. وقد ساهم في ذلك – نظريات فلسفية، أبرزها نظرية العقد الاجتماعي، وتحولات سياسية في بنية الدولة الأوربية من خلال قيام الدولة القومية، وثورات سياسية واقتصادية كبرى – في بلورة المفهوم الجديد للمواطنة وإحداث تحولات عميقة في بنائه النظري وممارساته التطبيقية.

    و خلال القرن العشرين، وتحديدا إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، عرف الغرب عموما، وأوربا على وجه الخصوص، صعودا ملفتا للديكتاتوريات السياسية خاصة في ألمانيا (النازية)، وفي إيطاليا (الفاشية)، وفي إسبانيا (الفرنكوية).. مما أدى إلى تراجع فظيع على مستوى فكرة المواطنة بسبب سيطرة النزعات الشوفينية والنكوص عن المبادئ الكبرى التي شيدها الفكر الأوربي خلال عصر الأنوار..

    إلا أنه ومع انهزام قطب المحور بزعامة النازية الألمانية، وإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م، وحدوث تحولات سياسية هامة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين؛ تمثلت أساسا في نهاية الحرب الباردة، وسقوط جدار برلين وظهور ما يسمى بالنظام العالمي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وسياسة القطب الوحيد.. أضف إلى ذلك حزمة من التحولات/ التحديات الاجتماعية والثقافية المصاحبة لهذه التحولات السياسية، ويأتي في طليعتها قضايا الهجرة، والأقليات، والنزاعات العرقية والقومية – خاصة في شرق أوربا- ، وظهور التكتلات السياسية الإقليمية الكبيرة كالإتحاد الأوروبي، والتي وفرت فرصا للانتماء إلى كيانات وجماعات سياسية أكبر، وأخيراً وليس آخراً بروز “الفردية” كتصور مثالي لتجسيد حرية وكرامة الفرد في أزمة حادة نتيجة للتطرف في ممارستها إلى حد يهدد نسق القيم الذي يحكم العقد الاجتماعي… كل ذلك جعل مفهوم المواطنة – الذي يتحدد في “صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات في إطار الدولة القومية التي يحمل جنسيتها”- يهتز ويعاد فيه النظر من قبل المفكرين الغربيين لجعله أكثر انسجاما وتلاؤما مع المجتمعات الغربية في ظل تحولات العولمة.

 2ـ واضح جداً أن المواطنة كمفهوم تبلور في فترات حديثة، لكن بذوره الفكرية كانت مبثوثة في كثير من الممارسات اليومية للشعوب. ونحن كمسلمين، كيف يمكن أن نؤصل لهذا المفهوم؟ و ما هي جذوره في الفكر الإسلامي؟

    انطلاقا مما فصلناه في الإجابة عن سؤالكم الأول، يمكن القول بأن مصطلح “المواطنة” – وفق هذا النحت – هو من المصطلحات الحديثة التي دخلت إلى التداول العربي عبر بوابة “المثاقفة” على إثر الاحتكاك مع الثقافة الغربية، وحسب بعض الدارسين فإن أول من وظف هذا المصطلح – بحمولته الفكرية والسياسية – هو رفاعة رافع الطهطاوي.

    إلا أن هذا لا يمنع من القول بأن مفهوم المواطنة، وإن تبلور ونما وتطور في السياق الفكري والسياسي الغربي، استفاد كثيرا من العناصر التي طورتها الحضارات الأخرى لذات المتغير أو المفهوم، فقد استفاد الغرب من التراث الفقهي والفسلفي الإسلامي بشكل كبير وواضح، وإن كان رواد عصر النهضة الأوربية وفلاسفة عصر الأنوار يدّعون الاستمداد المباشر من فكر الإغريق القديم.. مع أن علماء المسلمين من فلاسفة وفقهاء كانت لهم نظرات تمحيصية ونقدية لهذا الفكر في مختلف جوانبه، بل وإضافات مهمة، خاصة في الجانب السياسي.

    فالفارابي، رائد الفلسفة السياسية الإسلامية، وضع تصورا للمدينة الفاضلة التي يشترك فيها أهل الملل والنحل والأعراق على أساس المساواة الإنسانية، في أفق “دولة فاضلة” تشمل سكان المعمورة كلها.

    أما ابن خلدون فتميز بإدخال مبدأ العلمية الطبيعية في دراسة الظواهر التاريخية والسياسية والاجتماعية، ومن ثم استخلاص القوانين الطبيعية التي تحكم قيام الدول وزوالها، وبذلك وضع  قواعد علم العمران أو علم الاجتماع السياسي.

    واستطاع الجويني في “غياث الأمم” أن يؤسس لنظرية العقد الاجتماعي، من خلال بحثه في النطاق القانوني المحدد لتصرفات الحاكمين وعلاقتهم بالمحكومين، وحدود رقابة الرأي العام المسلم وحراسته لأي تجاوز لحدود الله الناظمة للعقد الاجتماعي الإسلامي.

    وانطلاقا من هذه المعطيات، فقد تعددت مقاربات التأصيل لهذا المفهوم في السياق العربي والإسلامي، ويمكن التمييز في هذا الإطار بين عدة مسالك:

    المسلك اللغوي، حيث عمدوا إلى عملية النحت اللغوي وبناء المصطلح قياسا على الاشتقاقات العربية الدالة على المفاعلة، وهكذا انتهوا إلى أن “المواطنة” مشتقة من مادة (و.ط.ن) أو (و.ا.ط.ن). التي تحيل على معنى الإقامة والسكن والأرض.

    وأما المسلك الثاني، فهو توظيف المصطلح بمضامينه السياسية والفكرية كما هي مؤسسة في الفكر الغربي، يظهر ذلك مثلا في مؤلفات من قبيل كتاب خالد محمد خالد “مواطنون لا رعايا”، وكتاب فهمي هويدي “مواطنون لا ذميون”، إذ يستخدم هؤلاء الكتاب الكلمة استخداما مقرونا بالسعي إلى العدل والمساواة بالنسبة لجميع من يحمل جنسية الدولة.

    أما المسلك الثالث، فيتمثل في البحث عن مصطلح بديل أو معادل ل”مواطن” أو “مواطنة”، من حيث الدلالة على العضوية الكاملة في المجتمع السياسي وما يترتب عن ذلك من حقوق ومشاركة في الحياة العامة. وفي هذا السياق يشير علال الفاسي، إلى أن مصطلح “التكليف” يقوم مقام “المواطنة في العرف الديمقراطي الحديث” باعتباره يحيل على معنى الحقوق والواجبات، ويذهب عبد الوهاب الأفندي إلى أن كلمة “مسلم” لها نفس الحمولة المفاهيمية التي للمواطنة، واختار عبد السلام ياسين مصطلحا مستوحى من التراث ليقابله بمفهوم المواطنة، إنه مصطلح “الولاية”..

    وأما المسلك الرابع والأخير، فيكمن في محاولات بعض الباحثين تأصيل المصطلح من خلال الحفر عن دلالاته في بعض النصوص القرآنية والحديثية التي تحيل على المبادئ الكبرى التي تقوم عليها المواطنة أي الحرية والمساواة والعدالة. كما أن هذا المسلك اتجه إلى دراسة بعض النماذج التطبيقية التي جسدت مفهوم المواطنة في التراث الإسلامي، وخاصة ما جاء في صحيفة المدينة، باعتبارها أول دستور بشري متكامل وقابل للتطبيق قائم على التعاقد بين مواطنين مختلفي الديانات والأعراق، عرفته البشرية قبل صدور وثيقة إعلان الحقوق في بريطانيا سنة 1689م، والدستور الأمريكي سنة 1776م، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن بفرنسا سنة 1789م، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م. وإن كان لا يتم الاعتراف به كذلك من طرفي الباحثين في القوانين الدستورية؛ وكذا ما جاء في خطبة حجة الوداع من إعلان للحقوق المدنية والاجتماعية.

3ـ من خلال إجابتكم، ما المميز في التصور الإسلامي، مقارنة مع باقي التصورات التي يطرحها المنظرون الغربيون، أم أن التصور الفكري للمواطنة هو تصور عالمي لا يختلف بين الشعوب؟

    في واقع الأمر، هناك تقاطعات كبيرة بين مفهومي المواطنة في التصور الإسلامي والتصور الغربي، خاصة من حيث الماهية والتمثل، باعتبار أن المفهومين معا يصبان في اتجاه تحقيق الكرامة الإنسانية وحفظ الحقوق وأداء الواجبات وتحقيق التعايش بين جميع المواطنين بغض النظر عن أجناسهم أو أعراقهم أو دياناتهم أو مذاهبهم، لكن الذي يميز هذا المفهوم على المستوى الإسلامي، هو كون مبادئها الأساسية مِنَحٌ ربانية موهوبة من الخالق عز وجل، أي أنها تخلق لصيقة بالإنسان بصفته إنسانا مكرما يحظى بشرف الاستخلاف في الأرض، ومن ثم لا يحتاج إلى النضال من أجل اكتسابها أو انتزاعها من أخيه الإنسان. ولذا عرف التاريخ الإسلامي الأول في العهد النبوي والراشدي نماذج مشرقة، لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية، في تمثل قيم المواطنة بكل ما تحمله من معاني التعايش والتسامح والتعاقد والشراكة والتكافل والتوافق في المجتمع الإسلامي بين جميع عناصره. إلا أن هذا المفهوم – عرف للأسف الشديد – نكوصا فظيعا في الممارسة التاريخية الإسلامية بعد العصور الخَيّرة، بسبب تأثر التراث الإسلامي – خاصة في شقه السياسي – بفكر الاستبداد وتصرفات الجور المنقولة عن التقاليد البيزنطية والفارسية في سياسة الراعي والرعية.

    في حين لم يتبلور المفهوم على المستوى الغربي، ويصبح واقعا معيشا إلا بعد أن قُطعت في سبيله مئات الآلاف من الجماجم وسالت من أجله أنهار وأنهار من الدماء.

4ـ أستاذي، قد يذهب البعض إلى أن المواطنة أو المغالاة فيها كنوع من العصبية التي حذر منها الرسول صلى الله عليه و سلم. كيف يمكن التمييز بينهما، و ما المعالم المحددة لكل منهما؟

    صحيح أن ثمة نصوص حديثية تنبذ العصبية وتذم الانتساب إليها، باعتبارها موروثا جاهليا يكرس الأحقاد والضغائن بين الناس.. وهو ذم  ينسجم تمام الانسجام مع روح المواطنة التي تقوم على أساس المساواة التامة بين بني البشر، وتنسجم أيضا مع مقتضيات النداء الإلهي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات13).. ولم تمنع هذه المعطيات من وجود نصوص حديثية أخرى تحث على حب الأوطان والتعلق بها، باعتبارها تشكل جزءا أساسيا من هوية انتماء الإنسان، التي لا يمكن أن ينفصل عنها إلا قسرا، من ذلك  قول النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا مكة بلده وموطنه الذي ترعرع فيه: “مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ”[1]. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام في حق الوطن الجديد الذي هاجر إليه:”اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ”[2]. بل وثمة أحاديث تجعل الموت دون الدار (الوطن) من الشهادة في سبيل الله، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ دَارِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ فِي جَنْبِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ”.

    كما أن القرآن الكريم يؤكد في عدد من الآيات على ما يمكن أن نسميه بـ”الأخوة الوطنية” التي تستلزم المعاونة والمناصرة والتكافل على الخير ودفع الشر، ويمكن استنباط ذلك من خلال تكرار عبارة “إذ قال لهم أخوهم…” في سورة الشعراء، وذلك في سياق الحديث عن أنبياء الله نوح، وهود، وصالح، ولوط عليهم السلام، فرغم الاختلاف العقدي لهؤلاء الأنبياء مع أقوامهم الذين كذبوا برسالاتهم، أكد القرآن الكريم على معنى “الأخوة القومية”، لأنهم كانوا منهم ولم يكونوا أجانب أو منفصلين عنهم.. وهو ذات المعنى الذي نقرأه في قوله تعالى: { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}..

    فهذه أدلة، أظن كافية، للدلالة على أن الارتباط بمعاني المواطنة، بما فيها الولاء “للجغرافيا المكانية” لا يتنافى مع الولاء العقدي، بل يتممه ويقويه.

5ـ الانتماء إلى وطن ما يمنح صاحبه حقوقاً يجب أن يتمتع بها، كما يفرض عليه واجبات يجب أن يؤديها. هل لكم، بعجالة ، أن تقدموا لنا نماذج لذلك؟

    الفصل بين الحقوق والواجبات في التصور الإسلامي، هو مجرد فصل إجرائي – كما يقال في لغة المناطقة – لأن  بينهما خيطا رفيعا ودقيقا لا يكاد يرى، ولذا لا وجود لحقوق بدون أداء واجبات، والعكس صحيح.. وحيث إنه لا معنى لوطن بدون أفراد، فإن هؤلاء الأفراد مدعوون للمحافظة على الحقوق وأداء الواجبات. وأعتقد أن المسلم اليوم مطالب بأداء واجبات الوطن لأنها ستكون جسرا قويا للوصول إلى الحقوق، وأعظم الواجبات: بناء الوطن ماديا ومعنويا، والمحافظة على ثرواته وعدم تبديدها أو استغلالها في منافع شخصية ضيقة، المحافظة على أواصر العيش المشترك داخل الوطن الواحد، وذلك بنبذ العنف والطائفية، والقبول بالآخر للعيش تحت فضاء واحد وعلى أرض واحدة…

6ـ علاقة بما سبق، لدينا عدد كبير من المسلمين يعيشون في بلاد غير مسلمة، و قد تتعارض في كثير من الأحوال واجبات الوطن الذي ينتمون إليه مع متطلبات الشرع و حدوده. كيف يمكن التوفيق بين ما تفرضه المواطنة و بين ما يدعو إليه الشرع الإسلامي؟

    صحيح أن الوجود الإسلامي لم يعد منحصرا في حدود الجغرافيا التاريخية الموروثة أو الجغرافيا السياسية المصطنعة، بل أصبح حاضرا في بيئات كثيرة لم تطأها خيول الفاتحين المسلمين ولم تفتح عنوة ولا صلحا، ولم يعد ذلك الحضور حضورا عابرا أو مؤقتا بل صار دائما ومقيما ومساهما فعالا في تلك البيئات، الشيء الذي بات يستوجب معالجة هذا الوضع وما يثور إزاءه من أسئلة عديدة تتعلق بطبيعة الانتماء لتلك البيئات وكيفية المشاركة فيها وحدود الاندماج والتفاعل معها في ضوء الضوابط الشرعية وقيم المواطنة الناظمة للحقوق والواجبات في تلك المجتمعات.

    وتبدأ الأسئلة التي يطرحها هذا الوجود الإسلامي بتلك البيئات بقضايا شخصية من قبيل: ما حكم التجنس بجنسية البلاد غير الإسلامية؟ وما حكم الإقامة فيها؟ وما حكم العمل في مطاعمها وأسواقها وتناول أطعمتها؟ وما حكم التعامل مع غير المسلمين في تلك المجتمعات وحضور ولائمهم وأفراحهم وتهنئتهم بمناسباتهم؟ وما حكم التقاضي في محاكمهم خاصة فيما له علاقة بقضايا الأحوال الشخصية؟ وغيرها من الأسئلة التي تمس كينونة الفرد وحقوقه الشخصية. إلا أن ثمة تساؤلات أخرى تتعلق بالمشاركة في الحياة العامة لغير المسلمين من مثل: حكم المشاركة في الحياة السياسية لتلك البلاد عن طريق الانتخاب أو الترشيح أو تأييد بعض الأحزاب أو الانضمام إليها؟ وما حكم اكتساب العضوية في برلمانات تلك البلدان؟ وهل يجوز للمسلم أن ينضم إلى جيوش تلك البلدان والمقاتلة في صفوفها؟ إلى غير ذلك من القضايا الإشكالية التي يستصحبها مفهوم المواطنة.

   وارتباطا بسؤالكم، حول كيفية التوفيق بين مقتضيات المواطنة ومستلزمات الشرع الإسلامي، فإننا يمكن أن نقول بأن الواقع الجديد الذي تعيشه هذه الأقليات المسلمة المواطنة في غير بلاد المسلمين يقتضي ما يلي:

    1- إن الوجود الإسلامي في مجتمعات الأقليات تجاوز مقولات الفقه الموروث الذي يدعو المسلم إلى “الرحيل من ديار أهل الكفر”؛ لأنه لم يعد وجودا عابرا أو مهاجرا، بل أصبح وجودا مواطنا ومقيما إقامة دائمة، ولو أجمع فقهاء الأرض الآن على عدم صحة الإقامة والمواطنة في هذه البقاع فلن يغير شيئا من هذا الواقع الجديد، ولن يعود أكثر المهاجرين إلى أوطانهم الأصلية.

  • 2- إن عددا من الظواهر الاجتماعية والإنسانية التي تعيشها الأقليات المسلمة في بيئاتها لا يمكن تحليلها بالأحكام الحدية والنظر الفقهي المعياري القائم على ثنائية الحلال والحرام، بقدر ما يمكن بسط النقاش حولها وفق ما تستبطنه من مصالح عامة أو مفاسد شاملة.
  • 3- إن الإمكانات التي تتيحها الأنظمة الديمقراطية والمجتمعات العلمانية من مساحات معتبرة للحرية الدينية والفكرية، وفرص للمشاركة السياسية والمجتمعية، يمكن أن تستثمرها الأقليات المسلمة في الاتجاه الذي يحقق لها مزيدا من الاندماج الإيجابي والمساهمة في النسيج المجتمعي للآخر نفعا وانتفاعا.
  • 4- إن الولاء لقيم المواطنة لا يتنافى والولاء لأحكام الدين والالتزام بشرائعه، بقدر ما يتكاملان ويتعاضدان في الشخصية المسلمة المتوازنة التي تحفظ الدين وتبني الوطن.
  • 5- إن متطلبات العيش المشترك تتطلب من الأقليات المسلمة تحمل “نوع من الغبش” الذي لا يمس جوهر العقيدة وأساسيات الدين، ولكنه يحقق الخير الكثير إن شاء الله.

7ـ إذا عدنا إلى بلدنا المغرب، كيف يمكنكم تقييم معيار المواطنة عند عموم الناس، وعند الشباب خاصة؟

    قد نكون متجنبين للصواب، أو بعيدين عن الموضوعية، أو حتى متجنين في حق المغاربة إن قدمنا تقييما واحدا لمدى تمثلهم أو عدم تمثلهم لمفهوم المواطنة، ولذا ومن باب الإنصاف يمكن القول أن ثمة عدة مستويات لهذا الأمر:

  • المستوى الأول، ويمكن أن نسميه بالتمثل المبدئي للمواطنة لدى قطاع لا بأس به من أبناء هذا الوطن، وخاصة في صفوف الفئات المتقدمة في السن (الكهول والشيوخ) خاصة ممن عاشوا في حقبة الاستعمار وفي الأجيال اللاحقة التي سهروا على تربيتها، فهذه الفئة نلمس لديها تعلقا كبيرا بالوطن ورموزه الدينية والوطنية..
  • المستوى الثاني، ويمكن أن نسميه بالتمثل البراجماتي، ونجده لدى فئة من المنتفعين الذين يرتبط لديهم حب الوطن أو التعلق برموزه بمدى استفادتهم من خيراته ومصالحه، وهؤلاء – للأسف الشديد – يشغلون عددا من مناصب المسؤولية في الإدارات العمومية، ينطبق عليهم قول القائل: “يأكلون النعمة ويكفرون بالملة”..
  • المستوى الثالث، ويصنف فيه جيل “اللامبالاة” من شباب ما بعد الثمانينيات، فالمواطنة لدى عموم هؤلاء – لوجود بعض الاستثناءات دائما – لا تعني شيئا، ولذا تجدهم يسبون الوطن، ويحتقرون رموزه، ويتطلعون إلى “الفرار” منه ولو تطلب ذلك ركوب “قوارب الموت”.. وهم إلى حد ما معذورون إزاء هذا الشعور، لأنهم ضحايا سياسات تعليمية وتنموية فاشلة ولدت لديهم نفسية الإحباط والتذمر..
  • 8ـ ما المقومات والأسس الدينية التي ينبغي أن تؤسس للمواطنة في بلد إسلامي كالمغرب؟

    المقومات والأسس التي ينبغي أن تؤسس عليها المواطنة في بلدنا هي موجودة أصلا في مصادرنا الأصلية من قرآن وسنة وتراث فقهي وقوانين منظمة لحياتنا الخاصة والعامة، ولكنها تحتاج إلى تفعيل وحسن تنزيل، إلا أنه لا بأس من إبراز الأولويات الآتية:

  • الإخلاص في القيام بالواجبات وأداء الأمانات (بمفهومها العام والخاص)،
  • الإتقان في أداء المهام والمسؤوليات،
  • تفعيل نظام المحاسبة على جميع المستويات،
  • تشجيع المبادرات الذاتية والمكافأة عليها،
  • الاهتمام بالكفاءات العلمية والإبداعية التي تصنع الحياة ولا تعيشها فقط،
  • ترسيخ آليات التداول السلمي في الممارسة السياسية والاجتماعية والثقافية..
  • تفعيل القوانين المنظمة لحياة المواطنين،
  • الحرص كل الحرص على التسامح وقبول الآخر وجودا ورأيا وعيشا..

9ـ ما التدابير التربوية التي يجب أن نتبناها في سياستنا التعليمية لتنمية روح المواطنة؟

    لقد كانت المدرسة المغربية، إلى جانب مؤسسات الأسرة والمسجد والجمعيات الثقافية والرياضية، فضاء مهما للتربية على مبدأ المواطنة، وأكبر دليل على ذلك هو أنها ساهمت في تكوين رواد الحركة الوطنية الذين قادوا المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، كما ساهمت إبان المراحل الأولى من الاستقلال في تكوين العديد من الكوادر الوطنية التي ساهمت في بناء الهياكل الإدارية لبلادنا.. إلا أن هذا الدور الريادي لهذه المؤسسة التربوية تراجع في فترات من تاريخ المغرب، بحكم سيطرة بعض الاتجاهات العدمية اليسارية التي كانت تحرض ضد مؤسسات الدولة ورموزها بدافع تأجيج نفسية الحقد والكراهية لدى الناشئة الصغيرة في أفق تكوين “جيل ثوري” ينفذ “الثورة الموهومة”.. كما أن هذا الدور تراجع بعد ذلك – أيضا – بفعل ضمور روح المواطنة لدى بعض رجال التعليم البراجماتيين الذين لا تهمهم سوى مصالحهم الشخصية الضيقة، وبحكم إفراغهم للعملية التعليمية من روحها التربوية.. ومن هنا، فلكي تستعيد المدرسة دورها الفاعل في التربية على المواطنة يمكن القيام بالتدابير التالية:

  • إعادة الاعتبار للمناسبات الدينية والوطنية،
  • إشراك التلاميذ والطلاب في تدبير شؤون المؤسسات التعليمية،
  • تشجيع التلاميذ على القيام بأعمال اجتماعية (زيارة دار العجزة، ودور الطلبة والطالبات، دار الأيتام، المستشفيات..) وأعمال بيئية (حملات النظافة في الشوارع والمنتزهات العامة..)
  • إعطاء القدوة في المحافظة على الملك العام، وفي القيام بالواجبات، وفي المحافظة على الوقت…

10ـ أخيراً، ما التوجيه أو النصيحة التي تقدمونها للأطر التربوية عامة، ولأساتذة التربية الإسلامية خاصة بخصوص هذا الموضوع؟

    كلمتي الأخيرة للأطر التربوية عامة، ولأساتذة التربية الإسلامية خاصة بخصوص هذا الموضوع، هي أن يعوا جيدا أن مسؤوليتهم في ترسيخ مبدأ المواطنة جسيمة وكبيرة جدا، ولذا ينبغي عليهم أن يشكلوا عقلية الناشئة في اتجاه المواطنة الإيجابية، ويتصدوا لكل الاتجاهات العدمية التي تسعى جاهدة إلى الإجهاز على روح المواطنة أو على الأقل الانتقاص منها، فلابد من الحذر واليقظة.. والله المستعان..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  – رواه الترمذي في المناقب، باب والله إنك لخير أرض الله،حديث رقم 3926، قَالَ  أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

[2]  – رواه البخاري في فضائل المدينة، باب اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، حديث رقم 1889، ومسلم في الحج، باب اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد وصححها،حديث رقم 1376، وأحمد في المسند، حديث رقم 3436.