قراءة في كتاب

جولات تفكر في مسؤولية الفكر

تأليف: عبد السلام محمد الأحمر

 (الجزء الثاني)

hamid

قراءة: د. حميد عنبوري

أستاذ التربية الإسلامية – القنيطرة

    تمهيد: نواصل القراءة في كتاب جولات تفكر في مسؤولية الفكر في جزئه الثاني والأخير، فبعد أن أنهينا الحديث عن فصوله الثلاثة الأولى نخصص الجزء الثاني للفصول الأربعة المتبقية، وقد استدعت القراءة جزئين بسبب دسامة المواضيع التي تناولها الكتاب كما ذكرت في مقدمة الجزء الأول، ولأن الموضوع العام للكتاب هو جولات تفكر في مسؤولية الفكر فهو يحتاج بحق إلى تفكر وتحمل مسؤولية هذا التفكر بإعمال النظر السديد للوصول إلى الفهم الرشيد، ولن يتحقق ذلك إلا بتوفيق من الحكيم الحميد.

    في بداية الفصل الرابع الذي جعله المؤلف تحت عنوان: إضاءات حول طبيعة المسؤولية الفكرية تناول حفظه الله موضوع: ابتداء الله الناس بالهداية.

    ولا شك أن المسؤولية تبدأ من هنا، فقد هيأ الله تعالى لهذا الإنسان، أيا كان هذا الإنسان، أسباب الهداية رحمة منه عز وجل، وجعل فطرته تميل به إلى معرفة الخالق والإيمان به، يشهد لذلك القرآن والسنة، فأما القرآن فقوله تعالى: “فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. (سورة الروم، الآية 29).

كتاب جولات تفكر

    وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جذعاء). والنصوص الدالة على هذه الهداية التي خلق الله الناس عليها ابتداء كثيرة، وحتى تلك النصوص التي فيها الاختيار كقوله تعالى: (وهديناه النجدين) (سورة البلد، الآية 10)، إنما جاءت من أجل التحذير من طريق الضلالة، يقول المؤلف: (فبيان طريق الشر يتضمن الهداية إلى طريق الخير، ولا يعني بتاتا أن الله يهدي إلى الشر والعصيان ابتداء)[1]. إلا إذا أصر الإنسان على سلوك طريق الضلالة، وذلك بسبب عناده وجحوده كما قال تعالى عن قوم ثمود: “وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون). (سورة فصلت، الآية 16)، وتلك حرية واختيار لم ينزعهما الله تعالى عن الإنسان وهو مسؤول عن ذلك، وإن كان الحق سبحانه وتعالى يوقظ الإنسان من غفلته بين الحين والحين من خلال أحداث وظروف حتى يعود ويتوب.

    يقول المؤلف: (وما أكثر ما يكون الشخص سادرا في الضلال والغفلة، ثم يسوق الله له من الأحداث والتجارب وييسر له من الظروف والأوضاع ما يجعله يراجع نفسه ونهجه المتبع ويكتشف إعراضه عن الحق والرشاد، وما سينتهي إليه مسعاه من الخزي والخسران فيغير مسلكه ويتوب إلى الصواب)[2].

    ثم انتقل المؤلف إلى إشكالية المسؤولية بين الفعل والخلق، وفي بداية هذه المسألة يقر أنها قضية في غاية التعقيد شغلت الفكر الإسلامي والإنساني على حد سواء لأنها متوقفة على محاولة التوفيق بين خلق الله لأفعال العباد وبين المسؤولية البشرية وحدودها، فقد يقع تعارض بين ما يجب لله من الكمال وما تقتضيه مسؤولية الإنسان.

    ولإزالة هذا الإشكال اعتمد المؤلف على نصوص صريحة من القرآن تنفي ذلك التعارض، فالله تعالى هو خالق الأفعال دون شك، “الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل”(سورة الزمر، الآية 59). “قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار.” (سورة الرعد، الآية 18). لكن دور الإنسان واضح في الاختيار من خلال القوة الممنوحة له وفق تقدير الله وإرادته وحكمته ودون إكراه، “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت”. (سورة البقرة، الآية 285) يقول المؤلف: (الله يخلق الأعمال على قدر النيات، ويغير من حالها تبعا لما يطرأ على تلك النيات، ويصدق في هذا الصدد الحديث النبوي: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى…) وحديث: (نية المؤمن أبلغ من عمله)، فما من شك أن النية ناشئة عن الأعمال، وأنها هي العمل الإنساني الذي تنحصر فيه مسؤولية الإنسان)[3].

     بعد هذا يعرج المؤلف على قضية أخرى هي الموقف الفكري تجاه الحقائق، ويمكن تلخيص هذه القضية في أن الأصل في الإنسان السوي أن يميل إلى حب الخير والجمال والحق، ويبغض الشر والقبح والباطل، غير أن طريق الحق والخير مكلف يستدعي مجابهة الصعاب، وطريق الباطل سهلة ذلول مما يدفع النفس إلى: (اختيارات أخرى تميل فيها إرادة النفس مع أهوائها فتؤثر المصلحة الشخصية غير المشروعة على المصلحة العامة الواجب حفظها ورعايتها، وتفضل المتعة العاجلة الفانية على المتعة الآجلة الباقية، يقول تعالى: “كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الاخرة” (سورة القيامة، 20-21)، بل قد تتشبث النفس بموقف خطأ ينطوي على عناد وتعال وعماية مقابل رفضها الموقف المضاد رغم ما يفوتها بسببه من منافع وامتيازات أكيدة)[4].

    وهذا النموذج من الناس اختار إبليس قدوة له حين (اختار مخالفة أمر الله ونتائجه الوخيمة المتحققة وهي دخول جهنم على لزوم الطاعة والنجاة من النار ودخول الجنة)[5].

    يقول المؤلف: (فقد بلغت بهم أنانيتهم وغرورهم بعقولهم أن تكون نفوسهم مقياسا للحق يقاس عليه لا أن يقيسوا أنفسهم على الحق ويخضعوها إلى مقتضياته ويضبطوها بضوابطه)[6].

     ثم تحدث المؤلف عن نقطتين متقابلتين ليختم بهما هذا الفصل وهما “الفكر فيما لا يقبل التجريب والتمحيص” و”الفكر فيما يقبل التجريب والتمحيص”.

    وتشمل الأولى المعتقدات الغيبية والخيال والأذواق والمشاعر والظنون وما إلى ذلك، مما يستعصي على التجربة العلمية، يقول المؤلف: (والإنسان في هذا القسم غالبا ما لا يعي مدى تدخل نفسه في فهم واستيعاب ما تفكر به في هذا الموضوع أو ذاك فيعتبره حقائق كاملة في المضامين المعرفية أو الأحداث والوقائع خارج ذاته فرضت نفسها عليه وهو لا يملك تجاهها إلا التسليم بها والإذعان إليها)[7]. ومع هذا التسليم والإذعان أمام هذا القسم فإن الإنسان لا يفقد حريته لأن (الله تعالى لم يخضع الإنسان لسلطان الحق حتى لا يفقده ذلك حريته ومسؤوليته التي هي أخص خصوصياته بل أخضع الحق لإرادة الإنسان وتفكيره، بحيث تكون حظوظ تقبله مساوية تماما لحظوظ رفضه وبذلك يكون مسؤولا حرا بكل ما تعنيه الكلمتان عن تصديقه بالدين أو تكذيبه… “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”). (سورة البقرة، الآية 255)[8].

    أما الثانية فتشمل كل ما يخدم الجسد من غذاء ولباس ومسكن ومركب وما إلى ذلك من الحاجيات المادية.

    وهذه القضايا يستطيع الإنسان أن يطورها ويخضعها لتجاربه للارتقاء بمستوى معيشه باكتشاف وتسخير السنن الإلهية الجارية في الطبيعة فالله عز وجل هو الذي ثبت قوانين كونية غير مفصولة عن إرادته تحكم تطور الإنسان، والآيات الدالة على هذه السنن متعددة منها قوله تعالى: “قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الاخرة إن الله على كل شيء قدير”(سورة العنكبوت، الآية 19)، غير أن الخلل في هذا هو أن يطغى المنهج التجريبي على كل فكر حتى يشمل ما لا يقبل التجريب والتمحيص بشكل مغرض من أجل تحييد ذلك القسم الغيبي الذي ينأى عن قوة العقل المحدود.

الفصل الخامس: من علل الفكر البشري.

       في هذا الفصل تناول المؤلف خمس قضايا تعد عللا للفكر البشري هي: الهوى، والوهم، والتحيز، والذاتية المذمومة، والتجزيئية.

    أما الهوى فهو (اندفاع النفس في أمر ما بدافع التشهي والرغبة الجامحة دون مجهود فكري كاف لتبين الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، وقد أكد صلى الله عليه وسلم هذه النزعة لدى أصحاب الأهواء فقال: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله”)[9]. ولا شك أن الهوى بهذا المفهوم هو خطر على الفكر البشري، إنه كما يقول المؤلف (اختيار التحرر من قيد العقل والضمير، والفطرة والأخلاق، واستثقال تكاليف الشرع وفرائضه وتوجيهاته الهادية لأقوم سبيل)[10].

ويحذر القرآن الكريم من اتباع الهوى لأن فيه تهديد للعدل الذي تقوم عليه السماوات والأرض، قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا” (النساء: 34).

وعلاج الهوى لا يتحقق (إلا بتحمل النفس مسؤوليتها كاملة في مجاهدته واتخاذ ما يلزم من الحيطة والحذر، كي لا تقع ضحية له وهي لا تشعر  “وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى”(النازعات39-40)[11]. (فالهوى إذا استبد بالنفس عاق الفكر عن عمله بل وظفه لتسويغ مراداته المتهاوية.)[12].

وأما الوهم، فهو كما يقول المؤلف (نتيجة حتمية لاتباع الهوى، لأنه يفتح باب تمنيات النفس على تصورات وتخيلات لا وجود لها في الحقيقة)[13]. والوهم لا يكون مدعوما بأدلة، وذلك ما وقع فيه باحثون كبار في مجال العلوم التجريبية كما حصل مع داروين في نظريته التي أحدثت ضجة حول تطور خلق الإنسان، حيث اصطدم بحلقات فارغة ملأها بما سماه الطفرات، فكان ذلك وهما. والذي يؤكد أن النظرية كانت مبينة على الوهم هو تلاميذ داروين أنفسهم حين لم يعتمدوا أوهام العقل المادي. وشهد شاهد من أهلها.

وأما التحيز، فهو – كما يفهم من كلام المؤلف – أنانية مترسخة في النفس بسبب البحث عن المصلحة الشخصية. ويكون من نتائجها الانتماء إلى فئة تحقق له هذه المصلحة أو فكر يجلب له مكاسب سهلة.

وهذا التحيز يحصل للأفراد كما يحصل للجماعات في أي مجال، ويحصل كذلك مع الدول في سياستها، ولا تسلم منه حتى دول ديمقراطية وداعمة لحقوق الإنسان. وهذا التحيز علة خطيرة في الفكر البشري تعود بنا إلى الجاهلية القديمة.

وما أنا إلا من غزية إن غوت  ::::::::: غويت، وإن ترشد غزية أرشد

فالتحيز المقيت مبدأ جاهلي قديم أحيته بعض الجاهليات المعاصرة ربما بشكل أفظع. والإسلام بمنهجه الفريد يقوم هذا الاعوجاج، قال تعالى: “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعلمون”، المائدة: 9، وذلك لأن الفكر (إذا اختار الانحياز أضحى بعيدا عن الحق، قريبا من الباطل، منغمسا في الذاتية المشينة، خارجا عن حدود الموضوعية المستنيرة)[14].

الذاتية المذمومة: يقول المؤلف عن هذه الذاتية: (والإنسان بطبعه تواق دائما إلى الاستقلال عن الآخرين، في المشاعر والأفكار والسلوك كما هو مستقل عنهم روحا وجسدا)[15].

ولا إشكال في هذا الوصف مادام الاختلاف طبيعة بشرية، فالآخر ليس هو أنت، وأنت ليس هو الآخر، وهذا معنى الاختلاف في الأفكار والآراء، لكن المشكل أن تتحول هذه الذاتية إلى الإصرار على التمسك بالباطل في وجه الحق مهما بدا الزيغ والانحراف في الفكر، وهذه هي الذاتية المذمومة التي تتحول إلى علة في الفكر البشري، يقول المؤلف: (ولا مبالغة إذا أثبتنا أن رغبة النفس في المغايرة والتميز تقودها أحيانا إلى اختيار الأدنى… فقد يتمسك مفكر بمواقفه الفكرية الشاذة، مع إقراره في نفسه بشذوذها، لكي يحتفظ بموقع التميز والتفرد، ضاربا صفحا عن الكلفة الثقيلة لمواقفه المختلة)[16]. وهذا سلوك إبليس حين رفض السجود خلافا للملائكة رغم علمه بشذوذ موقفه وأن عاقبته جهنم، وهو سلوك الفاسقين والفجار الذين يتبعون شهواتهم وأهواءهم رغم علمهم بمآلاتها الوخيمة.

التجزيئية: وفيها يقول المؤلف: (كل فكر يرتكز على جوانب محددة في مجال اشتغاله، غافلا أو متغافلا عن الجوانب المنسية أو المستبعدة، والتي تربطها بما وقع التركيز عليه روابط متينة لا يسوغ علما وعقلا ومنهجا إسقاطها من الاعتبار)[17]. ولا شك أن الفكر التجزيئي لا تكون له نتائج مرضية كما حصل لبعض المذاهب الفكرية، مثل الفكر الشيوعي الذي تأسس على الفلسفة المادية وألغى الروح وأبعد الدين، فكانت النتيجة الإكراه والقهر مما أدى بهذا النوع من الفكر إلى الفشل، حيث (أضحى نموذجا مرفوضا بين الناس لارتباط تطبيقه بمسخ الإنسان وتجريده من شقه الروحي، الذي هو سر وجوده وتميزه عن المخلوقات كلها)[18]. وبهذه العلة الأخيرة من علل الفكر البشري انتقل المؤلف إلى الفصل السادس تحت عنوان: “التجزيئية بين الفكر والسلوك” للحديث عنها بتفصيل.

فتحدث في البداية عن (امتناع التجزيئية في الدين”، لأنها تعد في نظر المؤلف من الكبائر الفكرية، حيث يتم فيها تجزيئ القول عن الفعل، وذلك ما أعابه الله على طائفة من المؤمنين في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لاتفعلون”(سورة الصف، الآيتان 2-3)،      كما عاب القرآن على اليهود أيضا هذا المسلك في قوله تعالى: “أفتومنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون.” (سورة البقرة، الآية 84).

وهذا الخطر التجزيئي يهدد حتى المستوى الإيماني في الفرد فيجعله منفصما بين قلبه وجوارحه، وذلك ما أدركه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وتصدى له بقوة، فأعلن الحرب عمن امتنع عن الزكاة وإن صلى وصام.

ثم انتقل المؤلف إلى الحديث عن “ظاهرة التجزيئية في الفكر المعاصر”، ومن أمثلتها في العالم الإسلامي تبني المتدين الفصل بين الدين وتدبير الدنيا بدعوى عجز الدين عن إسعاد الحياة الدنيا، إنما هو لسعادة الحياة الآخرة، أو كما يردد بعض المغرضين ومعهم الجهلة أن السياسة تفسد الدين، وربما جهر الأعداء بكل وقاحة بهذه التجزيئية خوفا على السياسة من أن يصلحها الدين، وهم لا يريدون إصلاحا.

بعد ذلك، تحدث المؤلف عن قضية “التجزيئية ومطلب التركيز”، وهي في غاية الأهمية بعد التي سبقتها حتى لا يظن ظان أن بينهما تعارضا أو تناقضا، وذلك لأن (التركيز هو اعتراف بالكل في شموليته، واتخاذ خطوة في الإنجاز ترمي إلى القيام بما هو واجب كاملا عن طريق التركيز على أولوياته والعمل بأساسياته، والتدرج منها نحو جميع مستوياته)[19].

والدليل العقلي والمنطقي كما يفهم من كلام المؤلف أن التجزيئية تهرب من الواجب وتملص من جميع أطرافه وتفصيلاته، بينما التركيز يتوخى رفع درجة الإنجاز إلى أعلى مستويات الإتقان.

ثم انتقل المؤلف إلى “كيف نتجاوز سلبيات تجزيئية المعرفة”، وذلك في ظل واقع ارتفع فيه الإنتاج المعرفي بشكل مهول، وليس لذلك من سبيل سوى التوفيق بين الاعتماد على الحقائق الأساسية الجاهزة التي تكرم بها الخالق سبحانه وتعالى، وبين البحث والإبداع الفكريين في إطار هذه الحقائق فوق الأرض مع إدماجها فيما تراكم من معارف عبر التاريخ.

وختم المؤلف حفظه الله كتابه بفصل: “الفكر بين السطحية والعمقية”.

فبدأ بالحديث عن الفكر السطحي (الذي يأخذ بقشور الأشياء ولا ينفذ إلى الجوهر)، وقد عاب القرآن على أناس يمارسون هذا الفكر، فقال تعالى: “يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون.” (سورة الروم، الآية 6).

ثم انتقل المؤلف مباشرة إلى الحديث عن “العلاقة بين السطحية والعمقية”.

وبعد أن مهد للموضوع بما يفيد العلاقة الجدلية بين الظاهر والباطن وعدم انفصالهما، ضرب مثلا بالإنسان الذي هو ظاهر وباطن، وإن كان الباطن الذي هو العمقية أهم ما فيه، (فالروح المنفوخة في الجسد هي باطن الإنسان وأشرف وأسمى ما فيه، لأنها المسؤولة عن تحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم)، فلا قيمة للعمل الذي يؤديه الجسد بجميع جوارحه في حد ذاته، ما لم يكن بإخلاص من القلب وقصده العبودية لله وابتغاء مرضاته)[20].

عمقية الفكر في مسؤولياته:

وهذه القضية مرتبطة بسابقاتها ومكملة لها، فالمسؤولية إنما تتعلق بالعمقية “الباطن”، يقول المؤلف: (لقد كان العرب إبان البعثة النبوية، أكثر إدراكا لأبعاد الإقرار بالشهادتين، عندما دعاهم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الإقرار ليس كلمات يتلفظ بها اللسان، وإنما هو اعتقاد قلبي باطني صادق والتزام عملي ظاهري يناسبه)[21].

والإنسان قد يظهر أفعالا بجسده في الظاهر، لكنها لم تنفذ إلى أعماقه، فيحصل له انفصام أو بالأحرى نفاق “وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة.” (سورة المنافقون، الآية 4).

أية عمقية للفكر المادي؟

يحاول المؤلف في هذه القضية أن يبرز انعدام العمقية في الفكر المادي، فيذهب إلى أن القانون الوضعي مثلا التابع في مجمله للفكر المادي، يحاول في أحسن الأحوال المعاقبة في المخالفات على الظاهر والمحسوس (فالمسؤولية في الفكر المادي تتأسس على عنصرين اثنين: أولاهما: النتائج الطبيعية للسلوك إيجابية وسلبية، ثانيهما: الجزاءات القانونية التي تعاقب على الأفعال والتصرفات المجرمة في بنوده)[22]. (فلا معنى في الفكر المادي للفضيلة وكرامة النفس، ولذة الروح)[23]. لذلك (يتحاشى الاعتفاد بما هو غيب، فلا يؤمن بالله إلا نادرا… فيظل فكره على هذا المستوى سطحيا ينبو عن التعمق)[24].

الفكر بين حياة الروح وحياة الجسد:

وبهذه القضية يختم المؤلف حفظه الله كتابه، (فالمعرفة أيا كانت إما تنفع الروح أو تنفع الجسد أو تنفعهما معا)[25]. والإنسان قد يطغى عليه جانب الجسد فيتهم به على حساب الروح. والحال أن (المعرفة الدينية الروحية أساسية وضرورية لكل إنسان، لأنها هي التي توضح له أساسيات وجوده البشري، من هو، ومن خلقه، ولماذا؟ وأية معرفة أخرى لا يمكنها أن تقدم له الإجابات الصحيحة عن هذه التساؤلات المضنية)[26].

وهذا من اختصاص الرسائل السماوية وعلى رأسها الرسالة الخاتمة التي جاءت بسيطة نقية واضحة ميسرة، تلقاها الناس بكل سلاسة لإشباع جانبهم الروحي. يستوي في الأخذ بها الطبقات الشعبية المختلفة والطبقات المثقفة (وقد يكون النجار أكثر انتفاعا بالدين في دنياه وأخراه من الفيلسوف المتعدد المعارف، لأن الدين الواضح في أوامره ونواهيه ومقاصده، يتطلب من المكلف لكي يظفر بجني ثماره وتحصيل فوائده، الصدق في الالتزام والتنفيذ، والتقوى في السر والعلن)[27].

وأما خدمة الجسد فيكفي منها ما تدعو إليه الحاجة الإنسانية حتى نهتم بالجانب الروحي بسبب ضيق مساحة الجسد ورحابة الروح.

وأختم بما ختم به المؤلف، فاللهم سدد فكرنا واشرح قلوبنا للحق، ووفقنا لالتزامه والعمل بهديه، وتجاوز عن أخطائنا وتقصيرنا في حق الله علينا آمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – جولات تفكر في مسؤولية الفكر، ص 111.

[2]  – جولات تفكر في مسؤولية الفكر، ص 115.

[3]  – نفسه، ص 122.

[4]  – نفسه، ص 124 – 125.

[5]  – نفسه، ص 126.

[6]  – نفسه، ص 126.

[7]  – نفسه، ص 130.

[8]  – نفسه، ص 131.

[9]  – نفسه، ص 145.

[10]  – نفسه، ص 145.

[11]  – نفسه، ص 147.

[12]  – نفسه، ص 149.

[13]  – نفسه، ص 151.

[14]  – نفسه، ص 160.

[15]  – نفسه، ص 167.

[16]  – نفسه، ص 167.

[17]  – نفسه، ص 173.

[18]  – نفسه، ص 174.

[19]  – نفسه، ص 192.

[20]  – نفسه، ص 211.

[21]  – نفسه، ص 214.

[22]  – نفسه، ص 217.

[23]  – نفسه، ص 222.

[24]  – نفسه، ص 221.

[25]  – نفسه، ص 228.

[26]  – نفسه، ص 229.

[27]  – نفسه، ص 230.