ترجمات

هل يمكن للتسامي أن يُدَرس؟

جون كاغ وكلانسي مارتن

ikram

الترجمة من الإنجليزية

إكرام الصغير ــ أستاذة اللغة الانجليزية

بثانوية محمد الخامس بالقنيطرة

أوليفيا بي

أقف هنا مع كل ما أملكه

من  الفلسفة والطب

 والفقه أيضا واللاهوت،

و بالرغم من العمل الدؤوب

و كل هذه المعرفة، أجدني

ليس أكثر حكمة من ذي قبل.

    بالنسبة لنا كأستاذين، تعد كلمات افتتاحية «فاوست» Faust لكاتبه غوته Goethe مثيرة للقلق، ولكن مع مرور الزمن بدأَتْ هذه الكلمات تجد طريقها إلى أذهاننا لتشغل تفكيرنا وتطاردنا في كل حين.

يجلس «فاوست» في مكتبته محاطا بالمجلدات وهو يُرثي النقص التام الذي يطبع المعرفة الانسانية، لم يكن باحثا متوسطا، بل كان عالما حقا، يتقن فنون الفلسفة واللاهوت، والفنون العملية للفقه والطب والبلاغة والمنطق والنحو والحساب والموسيقى والهندسة وعلم الفلك. بعبارة أخرى فإن «فاوست» يعرف كل ما يستحق المعرفة. ومع كل هذا فقد خلص إلى استنتاج مقلق، مفادُه أن كل هذه المعارف التي توصل إليها لم تكن كافية لتكشف لغز حياة الإنسان.

تُرى هل حالنا مع طلابنا تعبير عن نفس الواقع؟ أترانا نعلمهم كل شيء دون أن نعلمهم أي شيء بخصوص الأسئلة الجوهرية التي تهمنا فعلا؟ هل هناك منهاج يحاول الإجابة عن الأسئلة الوجودية مثل: لماذا نعيش لنعاني ثم نموت؟ إن هذه الأسئلة هي أصل الأسطورة الكبرى والحكمة التي نجدها في مجموعة من الكتب من بينها كتاب جوب.(The Book of Job).

يصرخ يضرع جوب إلى السماء مستجديا الله أن يوضح الحيرة المضنية التي تلف وجود الانسان، لكن الله لم يجبْه،  بل تركه في حيرة وظلام تماما كما كان «فاوست» حائرا في بداية إعادة إنتاج قصة الكتاب المقدس القديمة بشكل عصري.

توفي جَد “جون” المدعو “بول” عن تسع وتسعين سنة في فصل الربيع. كان صيدلانيا في فترة كان الصيادلة يعملون كالأطباء. في بداية القرن العشرين، كان بإمكان الصيادلة مثل “بول” أن يصنعوا الأدوية بأنفسهم باحترافية. وسط منزله ببنسيلفانيا تجد خزانات للأدوية تحتوي على مواد لا يمكنك أن تجدها اليوم بسهولة مثل المورفين وغيرها…لقد علم “بول” عائلته الإيمان بقوة العلوم الحديثة، بقدرة الكيمياء والبيولوجيا على حل الألغاز والمشاكل المستعصية في حياة الإنسان، وظل يؤمن بهذا طيلة حياته.

لم يصرح “بول” بشكل مباشر بما يعتقده من أفكار بخصوص الفلسفة واختيارنا لتعليمها وتعلمها، ولكن في السنوات الأخيرة وعلى نحو مفاجئ أخبر حفيده أنه قد لا يكون التعمق في هذه الأسئلة الفلسفية مضيعة للوقت. كانت لديه أسئلة كثيرة من قبيل: لماذا يوجد الشر؟ هل هناك إله؟ هل هناك حياة بعد الموت؟ ما معنى الحياة؟ ماذا يعني سقراط بقوله: ” إن الحياة الغير مفهومة لا تستحق أن تعاش”؟ قبل أن يتمكن منه المرض ليصل إلى مرحلة  الخَرَفْ، كان للرجل أسئلة مهمة.

مازالت أم كلانس في السبعينات من العمر حية تُرزَق. مؤخرا كتبت له- كما لو أنه يعرف الجواب- هل هناك شيء أستطيع فعله للتحضير للموت؟ لم تكن تقصد الأمور المادية مثل إدارة العقارات، وخدمة الرعاية الصحية في نهاية الحياة، وكل القرارات المخيفة التي علينا مساعدة والدينا في اتخاذها عندما يتقدمون في السن، كما لم تكن تعني القضايا النفسية التي تساعد الإنسان على مواجهة الموت كتقنيات تدبير الخوف والقلق والتحكم فيه… بل كانت تقصد ذلك السؤال الجوهري الذي أرق  وأقلق الإغريق القدامى حول حتمية نهاية الحياة، ماذا بعد ذلك؟ وكيف يمكن الاستعداد له؟

إن حتمية نهاية الإنسان – أي أننا في واقع الأمر نموت الآن وليس في المستقبل البعيد، يجب أن يُحَفِز فينا التفكير الفلسفي. يدرك معظم الفلاسفة هذا ولو بشكل مجرد. إن المحاورات الأفلاطونية تأتي في سياق خلفية محاكمة وموت سقراط لسبب معين، وهو أن صعوبة مواجهة الموت تنبُع من كونها تتطلب جردا مفاجئا لما قام به الإنسان طيلة حياته. وهذا ما أسماه أفلاطون “الاعتذار”   Aplogia عندما يُسلِّمنا الموت لهذه النهاية الحتمية، نتمنى أن يكون هناك ما يبرر كل هذه التجربة الشاقة التي تحملناها، لكن هذه الأسباب لا يمكن لسوء الحظ شرحها بواسطة التخصصات الأكاديمية التي تقدمها جامعاتنا ومعاهدنا. لكن لِمَ لا؟ لماذا لا تستطيع الدراسة الجامعية تأهيل الطلاب ليس فقط لحياة مُترَفة، بل لإدراك مغزى الموت؟

يوفر علم الأحياء “البيولوجيا” بعض الأجوبة حول كيف نعيش وكيف نموت، فبإمكانه وصف موت الخلايا المبرمج، الشيخوخة العامة، تدهور الخلايا وغيرها. لكن هذه المصطلحات تبدو أصلح للتجارة، وأبعد ما تكون عن تجربَتَيْ الحياة والموت.

عندما يَسْألُ شخص في التسعينات من عمره لماذا أُحس بالألم؟ يجيب عالم الأحياء: بسبب ضيق الأوعية، جفاف، تسمم… بينما قد يرد عالم الأحياء التطوري: الألم هو استجابة تكييفية لمخاطر العالم. لكن هذه الأجوبة على اختلافها لا تَرْوي ظمأ «فاوست» أو ذلك الشخص الذي يحتضر. إن سؤال الماهية الذي يطرحه «فاوست» ينتمي لقاموس مختلف يتوق إلى جواب وجودي كوني.

هل من الممكن أن نجد أجوبة عن الأسئلة الكونية في السماوات فنتوجه لدراستها؟ فر «فاوست» من خزانته واتجه إلى الهواء الطلق ليلا ليطلق العنان لأسئلته جاهرا بها اتجاه النجوم. وفي عصرنا الحالي نحن نفعل مثله تماما، نطلب من علماء الفلك والفيزياء أن يفسروا لنا نشأة الكون وتطوره، وكيف تأتي الأشياء إلى الوجود ثم تتلاشى وتموت، لكن الفيزياء نفسها تلتزم الصمت أمام هذه الرقصة الكونية التي لا تستطيع تفسيرها. ينتهي غزو «فاوست» الليلي فجأة عندما تجيبه روح الأرض بطريقة مبهمة مرعبة فينكمش مرتعدا.

بالرغم من العلوم التي أوصلتنا للنجوم، فإن الأمر لا يختلف اليوم. يكمن المشكل الأساسي في العلوم الفيزيائية – أو ما أسماه «فاوست» الطب- في أن العلماء -عندما يتعلق الأمر بصعوبات الموت وتفاصيله- يلتزمون منهجية محددة قاصرة عن تلبية حاجتنا لأجوبة وجودية. إن قضايا نهاية العمر تُستشعَر بشكل ذاتي. فهناك نوعية مختلفة لكل حياة تمر… وهذا ما يرمي إليه “هايدجر” عندما يصف الموت ب “أقصى إمكانيات الشخص” .عندما يتساءل شخص ما عن معنى الحياة، فهو يقصد في الوقت ذاته السؤال الخاص ما معنى حياتي؟ والذي يعني أيضا ما معنى وفاتي؟

إن أي إجابات مُرضية يجب أن تنصب على مكونات هذا المعنى من الداخل، بحيث يمكن استشعارها والإحساس بها. أما العلوم الفيزيائية ففي مجملها تُجرى لتحقيق بحث دراسة تجريبي وموضوعي بحيث تفحص الأشياء من الخارج. تبقى هذه العلوم قاصرة إزاء تفسير أحاسيس الإحباط، الأسف، الرعب، الشعور بالذنب، عدم اليقين، عدم الارتياح والفرح، غياب  السلام، الذي يقض مضجع من يرى حياته تدنو نحو القبر.

هذا لا يعني أن الفلسفة الغربية واللاهوت يقدمان أفضل البدائل. لقد نبه «فاوست» إلى أنهما لا يفعلان ذلك. فاللاهوت هو دراسة دين وليس الدين نفسه، لذلك فاللاهوت “الصحيح” قد يعطل الاعتقاد عوض أن يرسخه.

إذا كنت تبحث عن أجوبة حول معنى الحياة لتنعم بالنوم ليلا، فلا تتوجه بالسؤال إلى اللاهوتي، فعندما تقرأ ل” توما الأكويني” “الخلاصة اللاهوتية” فهذا لا يجلب الطمأنينة والسكينة حتى بالنسبة لأكثر المتدينين، بقدر ما يعد تبريرا منطقيا للإيمان الذي يمتلكه الإنسان مسبقا. لكن هل سبق لملحد ما أن تحول إلى مؤمن بعد قراءته هذا الكتاب؟ إن السبب الذي يبرر لمَ يتم تجنب الأدلة على وجود الله بحزم من قبل مدرسي فلسفة الدين هو أنها جد مملة، لدرجة قد تقنع الإنسان أنه لا فائدة ولا مقصد من وجوده. هيا فلتقرأ “الخلاصة اللاهوتية” ولتقنعنا أنها قادرة على شد انتباهك أو إقناعك.

إضافة إلى ذلك وكما برهن “كيركجارد” منطقيا فإن معرفة أن الله موجود نتيجة لأدلةٍ، مُختلِفٌ عن الإيمان بأنه موجود. هذا يشبه ما قاله “أوراكل” ل “نيو” في “الماتريكس” لا أحد يمكنه أن يخبرك أنك تحب، لكنك تعرف ذلك”. لذلك إن كانت ستكون هناك سلوى في الإيمان، فلن يكون مصدرها ما أخبرك به شخص آخر.

إن اللاهوت الغربي التقليدي يفتقر إلى ما يتوق إليه «فاوست» ألا وهو التعامل مع التجربة الإنسانية كفرع من فروع المعرفة، حيث إن اللاهوت لا يُعطي الكثير من الوقت لاستكشاف الإحساس الداخلي بالتسامي أو ما أسماه “ويليام جيمس” ب “أصناف التجربة الدينية” .

إن اللاهوتيين يقضون معظم وقتهم في التهرب من ذلك الشعور بالرغبة الجامحة إلى التسامي.

من يحتاج التسامي؟ نعتقد أن جميع  البشر يحتاجون ذلك. طبعا من الصعب تحديد معنى دقيق للتسامي لكننا نأخذ على محمل الجد كلام “جوزيا رويس” عندما يؤكد أن الحاجة إلى التسامي شعور حقيقي يختبره معظم الناس من وقت لآخر. فيأتي كنقيض للإحساس بالفقد. إن احتمال فقدان الحياة أو العقل يجعل الحاجة إلى التسامي في ذِروَتِها. كيف السبيل إلى إدراك وتجاوز الرعب الذي ينتابك عندما تفكر أنك ستكبر وتموت، وبأنك ستفقد عقلك وبأنك ستجرح ذراعك حتى ينزف، وبأن أظفارك ستنمو ثم تموت وتسقط…، وبأنك لا تستطيع التعرف إلى أحبائك؟ لا يصل اللاهوت إلى هذه المستويات، لكننا نفعل ذلك بتهور نعجز عن إيقافه أو السيطرة عليه، ونود لو أن كل هذا الجهد لا يذهب سدى.

إن الفلسفة الغربية تماما كما اللاهوت غالبا ما ضلت الطريق في عصرها الحديث. لقد جنحت إلى قوة الملاحظة التي تميز المنهج العلمي. وبعدما تَعَزَّز دورُ العلوم الحديثة في أوروبا، ازدادت القيود على حب الحكمة. فقد انصب جبابرة الفلسفة الغربية الحديثة كبيكون وديكارت وكانط  وغيرهم على وصف الوجود عوضا عن الخوض في تفسير معانيه العميقة، وفي أحسن الأحوال فإن أنظمتهم العقلانية أغفلت التوتر الذي أحس به «فاوست» والذي ينبع من كون ادعاءات العقل والمنطق قاصرة عن تفسير معنى حياة الإنسان، التي تتجاوز العقلانية إلى حد كبير.

أنحيا فقط لنعاني؟ هذا لا معنى له. في مرحلة ما كانت الفلسفة وفق سقراط عبارة عن تحضير للوفاة، أو وسيلة للحصول المسبق على منزل وجودي، أو لحاجتنا إليه في المآل. لكن هذا القصد الأصلي للفلسفة تلاشى مع رغبة الفلسفة المتزايدة في أن تصبح شعبة أو فرعا من الرياضيات أو العلوم.