الافتتاحية

التربية على المسؤولية الذاتية وقاية من العنف والعدوانية

عبد السلام محمد الأحمر

pp

     من سمات العصر التي أضحت واضحة للعيان، فشو مظاهر التوتر والقلق الحضاري الذي قد لايعرف له سبب بين، ولعل هذا الحال هو ما يفسر لنا كثيرا من النزوعات نحو السلوك العبثي والعنيف أقوالا وأفعالا، والذي يظهر جليا في ممارسة الناس صغارا وكبارا.

     وما من شك أن العلاقة متينة بين عقيدة الإنسان وسلوكه، فالعقيدة السليمة تمكن العقل من امتلاك مغزى للحياة، وتملأ النفس اطمئنانا واتزانا، وتعبئ طاقاتها كلها في اتجاه الصلاح ورفض الفساد، وفعل الخيروالإحسان واجتناب الشر والعدوان.

     وإذا فسدت التصورات وعجزت عن تقديم أجوبة مقنعة لمعضلات الوجود، وملامسة حقيقة المهام الإنسانية فيه، وغاية الخالق من خلقه، فإن كل ذلك ينعكس في السلوك ويفقده الرشد والسواء.

     فإنسان اليوم إلا من رحم الله بمعرفته وعبادته، يعيش حالة إحباط حادة، وخيبة أمل كبيرة، إزاء إنجازات الحضارة المادية، التي لم تفلح في تحسين وجود الإنسان على الأرض إلا في حدود معينة، حيث مازجت المكاسب المحصلة مثالب مزعجة، فأضحت انعكاسات الأنشطة الصناعية ملوثة للماء والهواء، ومسممة لمختلف الإنتاجات الغذائية، التي باتت السبب المباشر لكثير من الأمراض والقلاقل الصحية، الجسمية والنفسية على حد سواء.

    ورافق هذه السلبيات خيبات إنسانية كبيرة في عالم اليوم، ناتجة عن سيادة حق القوة بدلا عن قوة الحق، وتسخير إمكانيات التكنولوجية للتفنن في صناعة الكذب وإلباس الأباطيل لبوس الحقائق، وتحويل المعروف منكرا والمنكر معروفا.

    فعندما يختل في الذهن المعنى الحقيقي للحياة، تصير العبثية طابعا غالبا على الفهم والشعور والسلوك، فيلجأ الناس هربا من تلك التعاسة النفسية إلى المخدرات والمسكرات والإشباعات الشهوانية الشاذة، وقد يتطور بهم الحال إلى الكآبة والانتحار والسلوك العنيف والجرائم ضد مجهول، وبعبارة أعم فقدان روح المسؤولية، والانزلاق إلى العبثية.

    وهذا ما يعني أن فاقد الاعتقاد الصواب، يصبح عاجزا عن ضبط نفسه، ومنعها من التردي في مهاوي العنف والعدوانية والفساد، يستوي في ذلك اللادينيون مع المتدينين المنحرفين عن روح الدين وتعاليمه الهادية، فكلاهما يصبح مدمرا لنفسه ولغيره لبعد نفسيهما عن الفهم السديد والعميق للمسؤولية.

    وفي إطلالة سريعة على ارتباط السلوك العدواني بفقدان روح المسؤولية، واعتبارا لدور الإسلام المرسخ لها في نفوس المؤمنين على مستويات العقيدة والعبادة والأخلاق، نسوق مثالين دالين من القرآن الكريم أولهما يتعلق بإبليس، الذي عادى آدم وزاد على ذلك ذريته من بعده، فبعد رفضه امتثال أمر الله تعالى بالسجود إليه، ومعاقبة الله له بعذاب الجحيم، فإنه اندفع إلى معاداة آدم، وتوعده أمام الله بأنه إذا أنظره إلى يوم البعث سيدخل جميع بنيه إلى النار، عدا فئة قليلة من عباد الله المخلصين، وكان من أبلغ آيات عداوته لآدم وزوجه أنه غرر بهما، فأوقعهما في الأكل من الشجرة الممنوعة، وحرمهما من الاستمرار في حياة الجنة.

     كل ذلك فعله إبليس، دون أن يبدر من آدم وزوجه، ما يبرر عدوانيته الشديدة تجاههما. أكثر من ذلك لم يكن شيء مما حصل لآدم اختيارا ذاتيا أو عن رغبة وحرص منه، مما يمكن أن يحمل إبليس على الانتقام لنفسه، وإنما الحاصل أنه استكثر فضل الله على أدم وتخصيصه بالخلافة في الأرض، وما يستتبع ذلك من تكريم الله له وإعلاء لشأنه. وأنه آثر الاستكبار على تنفيذ أمر الله، وسوغ تمرده وعصيانه بادعاء خيرية النار على الطين بلا دليل يذكر.

     والمثال الثاني يتعلق بقابيل ابن آدم  الذي أقدم على قتل أخيه هابيل ظلما وعدوانا: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ  إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ  فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 27 – 30]

     فقابيل يمثل في هذا المشهد حال المتدين، الذي اختل فهمه للدين، فزاغ عن تعاليمه المحرمة للاعتداء على النفس بأشنع جرم وهوالقتل، لسبب أن الله تقبل قربان أخيه ولم يتقبل قربانه، وقد حاول صرفه عن عدوانه، فبين له أن الله يتقبل من المتقين دون غيرهم، وأكد له أنه لن يحاول صده عن عدوانه، وسيتركه يقتله إن أصر على ذلك، فيبوء باثمه وإثم أخيه فيكون من الخاسرين.

     لكن هذه البيانات لم تمنعه من المضي في عدوانيته غير المبررة، فلا دخل لهابيل من قريب أو بعيد في رفض الله لقربانه، لكن قابيل افتقد الإحساس بمسؤوليته عن عدم تقبل الله منه، فجحدها والقى بها على نفس أخيه البريئة، فلم يكن بد من تنفيذه لجريمته.

     انطلاقا من هذين المثالين البالغين، يتضح مدى ارتباط العنف والعدوان بعدم تقدير النفس لمسؤوليتها، واعتبار غيرها المعتدى عليه، هو المسؤول عن أخطائها وعيوبها وتقصيرها وما يمكن أن يحيق بها من عواقب ومآلات وخيمة.

    ويوجد هذا الارتباط قائما في سلوك الأقوام السابقة، تجاه دعوات رسلهم السلمية، والساعية إلى إنقاذ الناس من عذاب الدنيا وخزي الآخرة، فإبراهيم عليه السلام كان حريصا على صرف قومه عن عبادة الأصنام، وما تؤدي إليه من فساد في التصور والسلوك، سينتهي بهم إلى عذاب الجحيم، فأوقدوا له نارا مستعرة ورموا به في عمق لهيبها، وعيسى بن مريم دعا بني إسرائيل لعبادة الله ليستمتعوا بخيري الدنيا والآخرة، فما كان منهم إلا أن صمموا قتله وصلبه فرفعه الله إليه، وأقام شبيها له مكانه لينفذوا عليه اعتداءهم الشنيع، وخاتم الأنبياء محمد المرسل رحمة للعالمين، انتهت عداوة قومه له بأن عزم كفارهم على اجتماع القبائل وتعاونها لقتله وإخماد صوته.

    ومن يدرس الحضارة المادية المعاصرة بشقيها الرأسمالي والشيوعي يجدها ملطخة بدماء الحروب الطاحنة التي نشبت بين دولها في الحرب العالمية الأولى ما بين 1914 و1918 والتي أودت بحياة عدة ملايين، أوصلتها بعض الإحصائيات إلى الستين وزيادة، وبعد عقدين فقط ينتاب الغرب من جديد جنون القتل والدمار، لتندلع الحرب العالمية الثانية في الفترة ما بين 1939و1945،  والتي غدت أكثر الصراعات العسكرية دموية على مر التاريخ،  إذ تراوح عدد ضحاياها حسب بعض التقديرات ما بين 62 و78 مليون قتيل.

    وكان الفكر الغربي حينئذ قد دخل تجربة العقلانية ومرحلة التنوير- منذ القرن الثامن عشر- الذي عرفه إيمانويل كانط (1724 – 1804) بكونه خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أوسن الرشد، وتحرره من سيطرة رجال الدين وهيمنة الفكر الأسطوري، مما يعكس قدرا كبيرا من استشعار المسؤولية، التي تقود إلى فعل الأصلح وترك الإفساد في الأرض وسفك الدماء.

    لكن هذه المسؤولية، لم تستطع التخلص من جموح الأهواء بها في كل اتجاه، جريا وراء المصالح المادية القاتلة عند استبدادها بالفكر والوجدان، فعجزت عن منع الدمار والقتل اللذين شهدت الأحداث بفظاعة بشاعتهما ودمويتهما.

    لقد انطلقت النهضة الغربية العقلانية مدعومة بالثورة الصناعية، دون أن يمنع ما أعلنته من مبادئ حرية الإنسان ومسؤوليته وسيادته في الكون، من اجتياح جيوشها دولا آمنة فاستعمرت أراضيها بالقوة ونهبت خيراتها، وفرضت عليها نمط حياتها عنوة وقهرا، وأمعنت في شنق كل من يعترض عليها من أهل تلك البلدان، أو إيداعه في السجن ومصادرة حريته.

    فكان أن غزا الأوربيون الأمريكيتين  فأبادوا مواطنيها الأصليين بنسبة %80 واستولوا عليها استيلاء مطبقا وأبديا، وقدر عدد القتلى بحوالي 100 مليون. وفرضت الشيوعية نظامها بالعنف الثوري الذي أزهق الملايين، 97 مليون في الصين على عهد ماوتسي تونك، ومابين 50 و60 مليون فقط خلال حكم ستالين في روسيا، فلو أجري تقدير إحصائي لضحايا العنف والعدوان عبر التاريخ البشري لربما كان عددهم أكبر من عدد الذين يموتون موتة طبيعية أو مساويا له في أحسن الأحوال.

    وإذا كانت معظم حالات القتل والحروب المدمرة تتخذ لها مسوغات خاطئة وظالمة معلومة، فإن الإنسانية منذ زهاء قرن وهي تواجه ما يسمى بالجريمة ضد مجهول والتي يقتل فيها الفرد أخرين من أجل القتل وحده دون أي شبهة أو سبب.  كان آخر هذه الحوادث الغريبة ما تناقلته وسائل الإعلام، في شهر فبراير الماضي، من إقدام تلميذ سابق في مدرسة بولاية فلوريدا الأمريكية، على إطلاق النار في رحابها، فقتل 17 فردا غالبيتهم من المراهقين.

    والمتابع لأحداث العنف المدرسي ببلادنا يلاحظ ارتفاع وتيرتها سنة بعد أخرى، وإذا تتبعنا أسباب السلوك العنيف الصادر من الأستاذ تجاه التلاميذ فسنقف على كون حالات إخلال بالواجب هي ما يحمله على الالتجاء إلى استخدام العنف لفرض النظام وبسط سلطته داخل الفصل، بدل اكتساب احترام التلاميذ له استنادا لما يسديه إليهم من معرفة نافعة وما يربيهم عليه من قيم وأخلاق سامية. أما العنف الموجه من التلميذ نحو الأستاذ فهو أيضا إذا ما استبعدنا تأثيرات الإدمان على المخدرات وبعض الانحرافات النفسية والسلوكية، فإننا سنجد استثقال الدراسة والتحصيل المعرفي، والتقاعس عن واجبات التعلم الذاتي، هو ما يثير عدوانيته ويحمله على تعنيف أستاذه.

    وهكذا يتم تقاذف المسؤولية بين الطرفين، فيتهم الأستاذ التلاميذ بعدم الرغبة في الدراسة، والتهاون في القيام بواجبات التعلم، ويتهم التلاميذ الأستاذ بالتقصير في أداء المهام التعليمية الموكلة إليه، وعدم بذل المجهود المطلوب منه. وبذلك يسوغ كل طرف لنفسه إضمار العداوة والتصرف بعدوانية تجاه الطرف الآخر.

    فعلى الإدارة التربوية ومختلف الأطراف المسؤولة عن المجال التربوي أن تستشعر خطورة هذه الظاهرة وتبحث بعمق في دواعيها ودوافعها، وتقترح آليات تربوية للتخفيف من حدتها بل والعلاج النهائي لها.

     واعتقد أن التأصيل العلمي المؤسس لبحوث تربوية وميدانية في هذا الاتجاه، سيؤكد من وجهة نظري وجود علاقة وطيدة بين التربية  الإيمانية القائمة على المراقبة الإلهية وترسيخ المسؤولية الذاتية، وبين التطهر النفسي من شوائب العدوانية والعنف بكل صوره وأحواله.

                               والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل